بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت
@kchaya

كاتبة وناشطة سياسية
مع إقرار موازنة 2026، أعادت الحكومة اللبنانية إنتاج النموذج نفسه الذي أوصل البلاد إلى الانهيار، ولكن بصيغة أكثر خطورة، زيادة أعباء من دون إصلاح بنيوي، وتسمية ذلك «خطة إنقاذ».
رغم تصريحات رسمية تؤكد «عدم فرض ضرائب جديدة»، تُظهر بنود الموازنة والقرارات التنفيذية ما يلي:
• رفع فعلي وغير مباشر للضريبة على القيمة المضافة عبر توسيع قاعدة السلع والخدمات الخاضعة لها
• زيادة الرسوم الإدارية “دوائر عقارية، كاتب عدل، جمارك، معاملات رسمية”
• تحميل كلفة إضافية على المحروقات عبر الرسوم والتعديلات الجمركية
كل ذلك يجري تحت سقف منطق واحد، منطق المحاصصة، أو «ستة وستة مكرر»، حيث تُصاغ السياسات المالية لا على أساس الحاجات الاقتصادية، بل على أساس، “قدّيش بيطلع حصة لكل فريق من الستة الحاكمين”.
أولًا: الأرقام لا تكذب – الفقر مقابل الجباية
بحسب تصريحات وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، فإن:
• أكثر من 35% من اللبنانيين تحت خط الفقر النقدي
• برنامج «أمان» لا يغطي أكثر من 160 ألف عائلة في بلد تتجاوز فيه الحاجة هذا الرقم بأضعاف
ورغم ذلك، تتوجّه الدولة إلى الفئات نفسها لتمويل عجزها.
مثال مباشر، ضريبة المحروقات
أي تعديل على أسعار المحروقات يؤدي حسابيًا إلى:
• إرتفاع 10% كلفة نقل
• إرتفاع الأسعار نحو 70% من السلع الأساسية
• تضخم بين 5 و10% خلال فترة قصيرة
الأثر الصافي: مواطن دخله 200 دولار شهريًا يخسر 20 دولارًا من قدرته الشرائية فورًا، من دون أن يحصل على:
• نقل عام
• كهرباء
• ضمان صحي شامل
ثانيًا: تناقض الخطاب الرسمي مع الواقع التنفيذي
رئيس الحكومة ووزير المالية ياسين جابر يروّجان لفكرة أن موازنة 2026 تهدف إلى:
• تحسين الجباية
• مكافحة التهريب
• تحقيق فائض محدود
لكن جلسات مناقشة الموازنة كشفت:
• زيادات فعلية على الـ VAT
• رسوم جديدة على المعاملات
• توسّع في الجباية من دون أي إصلاح إداري متزامن
هذا ليس إصلاحًا، بل تحميل انهيار الدولة للمواطن.
ثالثًا: الإنفاق الاجتماعي… موازنة طوارئ لا سياسة عامة
وزير الصحة راكان ناصر الدين أعلن تمديد التغطية الصحية الكاملة لبعض الفئات المتضررة (خصوصًا النازحين من القرى الحدودية)، لكنه أكد في الوقت نفسه أن:
هذا الإجراء يتم ضمن الموازنة الحالية من دون اعتمادات إضافية.
ما يعني عمليًا:
• كل إجراء إنساني يُموَّل عبر استنزاف قطاع آخر
• لا توسّع حقيقي في الخدمات
• لا رؤية صحية وطنية
نحن أمام إدارة أزمات لا إدارة دولة.
رابعًا: مشاريع الحكومة المعلنة – أين الخلل؟
1. قروض البنية التحتية
تخصيص نحو 250 مليون دولار من البنك الدولي لإصلاح البنية التحتية.
المشكلة:
• أموال مستدانة
• بلا إطار حوكمة صارم
• بلا ربط مباشر بحاجات المناطق
2. تحديث الجمارك
الحديث عن:
• ماسحات
• ذكاء اصطناعي
• مكافحة تهريب
هو اعتراف غير مباشر بأن الدولة تخسر مئات ملايين الدولارات سنويًا بسبب الفساد.
السؤال الجوهري، لماذا تُفرض ضرائب جديدة قبل إغلاق مزاريب الهدر؟
خامسًا: أين الحل الحقيقي؟
المال موجود، لكن:
• منهوب
• مهدور
• أو محجوز ضمن شبكات المحاصصة
الحل لا يبدأ من جيب الفقير، بل من:
1. تحرير أملاك الدولة البحرية والعقارية من منظومة التعديات
2. فرض ضرائب تصاعدية على الثروة الفعلية لا الاستهلاك
3. إصلاح الإدارة العامة بدل تمويل تضخمها
4. ربط أي ضريبة بخدمة ملموسة
هذه ليست أزمة مالية… بل أزمة حُكم
المعادلة التي تعتمدها الحكومة واضحة… ضرائب، تضخم، لا قدرة شرائية، ركود، عجز، ضرائب جديدة… هذه ليست خطة إنقاذ، بل إدارة منهجية للانهيار.
إلى أن تُكسر حلقة «ستة وستة مكرر» ويُفصل المال العام عن نظام الحصص، سيبقى المواطن هو المموّل الوحيد لدولة لا تؤمّن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة.