جدل المقاومة وحسابات الدولة

بقلم رفيق خوري

لا فائدة من تنويع الذرائع وصولًا إلى الدستور لتغطية الهدف الحقيقيّ من الحفاظ على السلاح. والوقت حان للتوقف عن الجدل العظيم بعد اتخاذ القرار وبدء تنفيذه. فالمسألة ليست مقاومة أو لا مقاومة، كما يجتهد “حزب اللّه” في حصر النقاش. ولا هي سحب أو لا سحب قوّة من لبنان. المسألة أن هذه “المقاومة الإسلامية” التي حرّرت الجنوب، صارت مشكلة للبنان ونقطة ضعف له ومصدر خطر عليه منذ العام 2000 حيث توسّعت مهامها بدل أن تنتهي كما هي حال أية مقاومة في التاريخ.

وليس أخطر من كونها معطلة وعاجزة عن مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية عليها منذ الاتفاق على وقف الأعمال العدائية بعد كارثة “حرب الإسناد” سوى حديثها عن “ترميم” قوّتها وإصرارها على التسلّح وسط التهديد الإسرائيلي بحرب أشدّ تدميرًا عليها وعلى لبنان.

ذلك أن من الوهم تجاهل الكثير من الوقائع والتوقعات التي يمكن تسجيلها في خمسة أبواب. الأول هو تبدّل الظروف التي سمحت باحتكار حزب أيديولوجي مذهبي مسلّح ومرتبط بالحرس الثوري الإيراني المقاومة. والثاني أن هذه المقاومة التي صارت مقاومة دائمة تحت عنوان الدفاع عن البلد ضد الخطر الإسرائيلي، فرضت حربًا لإسناد غزة، وشاركت في حرب سوريا دفاعًا عن نظام الأسد، وقامت بعدّة أدوار إقليميّة في العراق واليمن وأماكن أخرى، بحيث باتت تعتبر نفسها قوّة إقليميّة.

والثالث أنها جلبت الخطر الإسرائيلي بدل ردّه، بحيث أعاد العدوّ احتلال أجزاء من الجنوب المحرّر، تاركة على الدولة استعادة الأرض والأسرى وجمع المال لإعادة الإعمار من دون التسليم لها بسحب السلاح الذي يصرّ عليه الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليون والأكثرية الرسميّة والشعبيّة في لبنان قبل أية مساعدات. والرابع أن الحديث عن بيئة المقاومة أو جمهورها يختصر لبنان بفريق واحد يميّزه ويعزله من أكثرية اللبنانيين، إن لم يضع معظمهم في خانة الأعداء والخونة.

والخامس أن الدولة التي كانت غائبة أو مغيّبة منذ اتفاق القاهرة و “حكم” ياسر عرفات ومنظمة التحرير للبنان، والاجتياحات الإسرائيلية، والدخول السوري ثمّ الوصاية السورية قبل الوصاية الإيرانية، تعاود اليوم بناء مشروعها الذي لا يقوم من دون حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم. فلا هي في حاجة إلى “المقاومة سندًا لها إذا أرادت بناء المستقبل” حسب الشیخ نعیم قاسم الذي يبدو مطلبه متواضعًا قياسًا على أیام كان كل شيء في يد “حزب اللّه” من دون حاجة إلى سند له من الشرعية.

ولا من المقبول أن يطلب “الحزب” الرافض سحب سلاحه “سحب” القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء وتغيير موقف لبنان الرسمي والشعبي. ولا من المعقول “عسكرة” طائفة واحدة في بلد من 18 طائفة، ومن أجل ماذا؟ من أجل المشروع الإقليمي الإيراني ضد كلّ خصومه وأعدائه في المنطقة والعالم، وبحجّة الحماية الذاتية لطائفة، حيث لا حماية لأية طائفة إلّا بالدولة.

والسؤال هو: هل هناك فرصة لحوار ناجح حول سحب السلاح بالتفاهم لتجنب حرب إسرائيلية يتمّ التهديد بها يوميًا؟ ما أمامنا حتى الآن حوار طرشان بين الدولة و “حزب اللّه” من موقفين متعارضين من السلاح وما بعده في منطقة تحوّلات سريعة.

ونحن في مرحلة ما سمّاها الفيلسوف أشعيا برلين: “الحاجة إلى فهم أكثر من المعرفة”.

اخترنا لك