ما بعد القوانين : اختبار حاسم للحوكمة والتنفيذ في لبنان في السراي الكبير

خاص بوابة بيروت

لسنوات طويلة، بدا أن مسار الإصلاح في لبنان يُختصر بإقرار قوانين لا تُنفَّذ، وخطط إصلاحية تبقى حبيسة الأدراج. غير أن ورشة العمل التي عُقدت يوم الاثنين في السراي الكبير حملت إشارة مختلفة، ولو بحذر. السؤال لم يعد: ماذا يجب أن نفعل؟ بل كيف ننفّذ فعليًا؟

اللقاء، الذي نظّمته وزارة الاقتصاد والتجارة بالتعاون مع المحامي الاستاذ ربيع قيس مدير المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم (LFPCP) وبدعم من السفارة النرويجية في لبنان، جاء بعنوان: “آليات إعادة تفعيل المناطق الاقتصادية الخاصة وإصلاح نظام التقاعد والحماية الاجتماعية في لبنان.”

وحضر الجلسة الافتتاحية السفيرة النرويجية في لبنان هيلدي هارالدستاد، ووزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر بساط، والدكتور أنطوان مسرّه ممثلاً المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم. كما شارك في اللقاء وزراء ونواب وقضاة وممثلون عن الهيئات الاقتصادية وغرف التجارة، وخبراء وأكاديميون ومؤسسات مجتمع مدني، إلى جانب عدد من الفاعلين الاقتصاديين والقانونيين الذين ساهموا في النقاشات التقنية.

مخطط طرابلس: من نص قانوني إلى دينامية إنتاجية

الجلسة الأولى، التي أدارها النائب الدكتور فادي علامة، خُصصت لبحث آليات إعادة تفعيل المناطق الاقتصادية الخاصة (SEZs)، بمشاركة وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا الدكتور كمال شحادة، وزير الصناعة جو عيسى الخوري، وزير الاتصالات شارل الحاج، ورئيس لجنة الاقتصاد والتجارة النيابية الدكتور فريد البستاني.

عرض الدكتور حسان ضناوي، رئيس مجلس إدارة منطقة طرابلس الاقتصادية الخاصة (TSEZ)، رؤية تنفيذية مفصلة تناولت:
•   الإطار القانوني والتنظيمي للمنطقة
•   نموذج الحوكمة المقترح
•   آلية “النافذة الواحدة” لتسهيل معاملات المستثمرين
•   دور الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)
•   فرص خلق فرص عمل وتحفيز القطاعات الإنتاجية

وأكد وزير الاقتصاد الدكتور عامر بساط أن “الإصلاح لا يُقاس بعدد القوانين التي تُقر، بل بقدرتنا على تحويلها إلى أنظمة تشغيلية فعّالة ومنسّقة وقابلة للتطبيق”، مشيرًا إلى أن إعادة تفعيل المناطق الاقتصادية الخاصة تتطلب تنسيقًا مؤسساتيًا دقيقًا بين الوزارات والإدارات العامة، بعيدًا عن التداخل والصلاحيات المتضاربة.

من جهته، شدد وزير الصناعة جو عيسى الخوري على ضرورة بقاء الرقابة الصناعية والمعايير بيد الوزارة المختصة، محذرًا من تحوّل المناطق الاقتصادية إلى مساحات خارجة عن الإطار التنظيمي الوطني. أما الدكتور فريد البستاني، فأعاد التذكير بمشروع المنطقة التكنولوجية في الدامور، مؤكدًا أن لبنان سبق المنطقة في الرؤية لكنه تأخر في التنفيذ نتيجة التعقيدات السياسية ونقص التمويل.

النقاش كشف قناعة مشتركة بأن المناطق الاقتصادية الخاصة ليست هدفًا بذاتها، بل أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني باتجاه نموذج إنتاجي، شرط توافر الحوكمة الرشيدة والوضوح المؤسسي.

إصلاح التقاعد: استعادة العقد الاجتماعي

الجلسة الثانية، التي أدارها النائب ألان عون، ناقشت إصلاح نظام التقاعد والحماية الاجتماعية، بمشاركة وزير العمل الدكتور محمد حيدر، وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، والمديرة الإقليمية لمنظمة العمل الدولية للدول العربية الدكتورة ربا جردات.

الدكتورة جرادات أكدت أن إصلاح نظام تقاعد القطاع الخاص أصبح مسألة محسومة مع صدور القانون رقم 319، معتبرة أن التحدي الأساسي اليوم يكمن في سرعة التنفيذ وإصدار المراسيم التطبيقية وبناء البنية الإدارية اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية.

النقاش شدد على أن الاستقرار الاجتماعي شرط أساسي لأي نهوض اقتصادي، وأن غياب نظام حماية اجتماعية مستدام يُضعف الثقة بالدولة ويحدّ من قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات طويلة الأمد.

ما بين الحوار والتنفيذ: الرهان الحقيقي

اللقاء عُقد ضمن إطار مشروع “الحوارات الوطنية حول السياسات الإصلاحية” المدعوم من السفارة النرويجية، في مسعى لترسيخ ثقافة الحوار المؤسساتي بين الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني.

في ختام النقاش، أشار الدكتور عامر بساط إلى أن إعادة بناء التنظيم المؤسساتي في الدولة تتطلب إدارة متكاملة للصلاحيات والمسؤوليات، بعيدًا عن منطق المحاصصة المعروف بـ“ستة وستة مكرر”، الذي عطّل لسنوات مشاريع استراتيجية بسبب تضارب المصالح وتقاسم النفوذ. واعتبر أن أي إصلاح فعلي يمرّ عبر إدارة مؤسساتية قائمة على الكفاءة، لا على الولاءات.

ورشة السراي بدت مختلفة من حيث التركيز على التفاصيل التنفيذية: مؤشرات الأداء، نماذج الحوكمة، المراسيم التطبيقية، وآليات الترخيص. لكن التحدي يبقى سياسيًا وإداريًا في آن واحد.

فهل تستطيع الدولة الحفاظ على التنسيق المطلوب لتحويل منطقة طرابلس الاقتصادية إلى واقع فعلي؟ وهل يتم تسريع تطبيق قانون التقاعد بما يعيد الحد الأدنى من الثقة الاجتماعية؟

الإطار النظري بات واضحًا، والقوانين وُضعت جزئيًا. ما ينقص هو الاستمرارية والإرادة والانضباط المؤسسي.

يبقى السؤال مفتوحًا، هل يشكّل هذا اللقاء بداية مسار إصلاحي فعلي قائم على حوكمة بعيدة عن “ستة مكرر”، أم أنه محطة جديدة في سجل الحوارات المؤجلة؟

اخترنا لك