خاص بوابة بيروت

باحث وكاتب سياسي
المتابعة والاستفزاز الدرامي الإيجابي، نادِرًا ما يَسْمَحُ لي وَقْتي بمتابعةِ المُسَلْسَلاتِ التلفزيونيّةِ، لكنَّ عنوانَ مُسَلْسَلِ «المحافظة ١٥» قد استفزَّني، وجعلني أستَشْرِفُ ماذا قد يَحْمِلُه في ثَناياه.
ولا سيّما أنّ كاتبته، الممثّلة كارين رِزق الله، كانت قد خاضت تجربةً في مُسَلْسَل «إنتِ مين؟» في العام ٢٠١٩، الذي شارك فيه الممثّل نقولا دانيال بشخصيّة «أسعَد» Hero.
وقد أشارت فيه رِزق الله بوضوحٍ إلى دورِ المقاومة اللبنانيّة، من خلال شخصيّة المُقاتِل والتداعياتِ النفسيّةِ بعد الحرب التي لم يَشْفَ منها.
قضية المعتقلين… الجرح الأكبر
واليومَ، في مُسَلْسَل «المحافظة ١٥»، تُسَلِّطُ رِزق الله الضوءَ على أكثرِ قضيّةٍ تَمَسُّني شخصيًّا، وهي قضيّةُ المعتقلين اللبنانيّين في سجونِ الاحتلالِ السوري، والتداعياتُ النفسيّةُ التي يَحْمِلُها المعتقَلُ بعد تحرُّره من أَسْرِه المميت.
يورغو شلهوب… أداء لا يضاهي كلّ التقديرِ والثناءِ على الدَّوْرِ الذي يُجَسِّدُه الممثّل يورغو شَلهوب بأرقى أداءٍ تمثيليٍّ لم أشهَدْ مِثْيلَه على كلّ الشاشات.
لم أستطِعْ أن أكبَحَ دُموعي بعدما رأيتُ حركاتِ يورغو شَلهوب الجسديّة التي عبّر فيها عن هذه الحالة، وعن هذا المسار من العذاب الذي يَعيشه المعتقَل.
عيناهُ تَرْوِيان أَلْفَ قصّةٍ وقصّة
حتّى حركةُ شَفَتَيْهِ المُرْتَجِفَتَيْنِ نَخَرَت عِظامي، وترَكَتْ دموعي تَنْهَمِرُ لأنّه استطاع أن يُشْعِرَني بِمِقدارِ الألمِ والعذابِ الذي عاشَه طوالَ ثمانٍ وعشرينَ سنةً من الاعتقال.
وجع يَنبُض من التفاصيل
تَعبيراتُ يَدَيْه التي تُظْهِرُ خوفَه الدائم
ممّا قد يَنْتَظِرُه…
نَفَسُه المُتَقَطِّع…
حركةُ حاجِبَيْهِ…
كلُّ ما في يورغو حَمَلَني إلى سجنِ صيدنايا، وجعلني أرى مدى التعذيب الذي خضعَ له المخطوفون هناك.
الأداء قبل الحبكة فتَحَ لنا أوجاعَ الضمير والقلبِ والوجدانِ الوطني.
بغضِّ النظر عن الحَبْكَةِ القصصيّةِ للمسلسل، التي اتّضَحَت، إلّا أنّ أداءَ يورغو شلهوب يبقى هو الأساس.
شكرٌ وامتنان لكارين رِزق الله، لجرأتِها على إثارة هذا الموضوع في الدراما اللبنانيّة، والشكرُ الأكبر ليورغو شلهوب لأنّك حمَلْتَنا إلى عالمٍ مُظْلِم عاشَه أكثرُ من ستمئةٍ وعشرينَ رفيقًا لنا في أسرِهم.
عسى أن تتّعظَ الأجيالُ الصاعدةُ وتُدْرِكَ أنّ هذا الوطنَ ما بقي إلّا بفضلِ تضحيات شخصيّاتٍ مثل شخصيّةِ المقاومِ البطل «أسعد» Hero، أو المعتقلِ المُحرَّر «فؤاد كامل».
رسالة إلى الأجيال وإكرامًا لهذه التضحيات، يجب أن تكونَ خياراتُكم السياسية لا استجابةً لِلغَرائزيّةِ الزعاماتيّة، ولا لِلإقطاعِ العائلي، ولا للشعبويّةِ السياسيّة التي تَفورُ ولا تَثور، ترتفعُ تسوناميًّا… وتهبِطُ بكم جهنّميًّا.
شكرًا كارين رِزق الله، وشكرًا يورغو شلهوب، وشكرًا نقولا دانيال، لأنّكم تُجَسِّدون مقولة، «الفنّ رسالةٌ سامية» قولًا وفعلًا.