بقلم د. زهير هواري
الضريبة المزدوجة التي فرضتها الحكومة وأجبرت المواطنين على دفعها بزيادة الرسوم على صفيحة البنزين 300 ألف ليرة أي قرابة 21 في المئة من سعر ها الأصلي، و1 في المئة إضافة على ضريبة القيمة المضافة TVA بحيث ترتفع من 11 إلى 12 في المئة، ما يعني رفع الضريبة المذكورة بنسبة 9 في المئة من قيمتها الفعلية (1 من 11 في المئة)، هاتان الضربيتان لن تظلا عند حدودهما الحسابية أي 21 % و9% من قيمتهما، إذ ستكونان بمثابة مفتاح لباب يفتح على المزيد من الارتفاعات في أسعار النقل والانتقال والمواصلات والمواد الغذائية التي تدخل في الكلفة بدءا من رغيف الخبز وصولا إلى سلاسل التوريد وغيرها.
ومع أن الحكومة حافظت على سعر المازوت كما هو، أي لم تطله الضريبة، الا أن البنزين هو أيضا محرك للأسعار مثله مثل المازوت، مادام يدخل في كلفة المواصلات والكثير من السلع ونقل الخضار والمواد الغذائية وغيرها من المستهلكات اليومية. ومن المعروف أن المواطنين لاحظوا مباشرة تحرك مختلف الأسعار صعودا، ما يزيد من الصعوبات الحياتية اليومية التي يواجهونها. وبالقياس إلى ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 21 %، فالمتوقع معها ارتفاع أسعار الغذاء والاستهلاك بنحو 6 في المئة، هذا في حال قرر التجار عدم انتهاز الفرصة وممارسة المزيد من استغلال المستهلكين، وهو لم يحدث في الماضي ولا يحدث الآن ولن نراه في المستقبل. إذ دوما ينتهز التجار كل سانحة لتحقيق مزيد من الارباح عبر ملاقاة صدور قرارات الحكومة “ساخنة”. أما التبريرات فهي جاهزة ويحيلها التجار الصغار وأصحاب الدكاكين على التجار الأكبر منهم وهكذا تباعا حتى تـ “تضيع الطاسة”. أما سائقو الباصات والتاكسيات فيربطونها بارتفاع سعر صفيحة البنزين وقطع الأكسسوار والزيت و.. قلة الركاب وعجقة السير. ويخشى موظفو القطاع العام الذين طالتهم الزيادة بدورهم أن يدفعوها في صفائح البنزين التي يستهلكونها، فضلا عن سواها من حاجات تدخل في يومياتهم مثل أسعار المياه وفواتير الكهرباء والصحة والدواء وأكلاف أوتوكارات نقل أبنائهم إلى المدارس والجامعات وغيرها. وقريبا سيلحق أصحاب محطات الوقود بمن سبقهم إذ إنهم لن يقبلوا أن تظل جُعالتهم على حالها، فيما أسعار مختلف الحاجات تقفز تباعا أمام أعينهم.
ضريبتا البنزين والقمية المضافة
وضريبة البنزين دخلت منذ صباح 17 الجاري في حسابات محطات البنزين، التي فوجئت بإقرارها في ليل، وأصدرت بيانا برأت فيه نفسها من هذه الزيادة. أما ضريبة الـ 1% فيحتاج إقرارها إلى موافقة مجلس النواب، لكن ذلك لا يعني أن المتكالبين على بقايا مقدرات المواطنين سينتظرون، بل على العكس من ذلك تماما فقد باشروا تطبيقها دون انتظار، وما يدفعهم إلى ذلك ندرة المراقبين للأسعار في أسواق المدن والأرياف. ومن المعروف أن أي ضريبة مهما كانت “نخبويتها ” يدفعها المواطنون في نهاية المطاف. ويستطيع التجار بسهولة ادخالها في كلفة المواد المحلية والغذائية المصنعة ويسجلون دفعها لصالح المالية دون أن يرتبط ذلك بالضرورة مع وجوب إيصالها إلى الجهات الرسمية، مادامت هذه الضريبة تدفع لاحقا على الاستهلاك وليس على الاستيراد من المرافيء أو المطار.
المؤكد أن الزيادة التي حصل عليها العسكريون وموظفو القطاع العام والبالغة 6 رواتب لا تدخل في تعويض نهاية الخدمة، والتي تصل كمجموع إلى حوالي 800 مليون دولار سنويا، ولا تكفي ضريبتي البنزين والقيمة المضافة لتغطيتها “يبلغ مجموعهما 600 مليون دولار فقط”، ولكن كل المواطنين سيدفعونها. وفورا جرى الربط بين هذه الزيادة وبين مثيلتها التي أقرت من خلال سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017 ، وقادت إلى تسريع عجلة الانهيار المالي والاقتصادي، بعد أن تبين أن الكلفة كانت ضعف التقدير تماما. كما أن من حصلوا على تلك السلسلة، تحولت إلى حبل طوَّق أعناقهم على الصعيد المعيشي، بعد أن اندفع التضخم نحو معدلات غير مسبوقة. ولذلك لم يكن غريبا أن يصب المواطنون غضبهم على هؤلاء الذين قد يتسببون بتجدد كارثة انهيار قيمة النقد كما حصل سابقا. وهو ما دفع ببعض هيئات الموظفين من حصلوا على الزيادة إلى تنظيم اضراب “يوما الخميس والجمعة السابقين” لاعتبارهم أن ما حصلوا عليه غيركاف ولتبرئة أنفسهم مما قد تشهده البلاد مجددا.
النواب وغسل أيديهم من الواقعة
المفارقة التي يتوجب التوقف عندها هو الموقف النيابي من الزيادة، فقد حاولت العديد من الكتل تبرئة نفسها أمام ناخبيها وتصفية حساباتها مع الحكومة ورئيسها خصوصا. وهو أمر ليس بالغريب في ضوء اقتراب موعد الاستحقاق النيابي. وقد حاولت من خلال المواقف والتصريحات التي أعلنتها إلقاء الحمل على عاتق الرئيس نواف سلام وبعض أعضاء حكومته، التي أعلن عدد من وزرائها رفضهم للتصحيح، دون أن يتقدم أي منهم ببديل عن الضريبتين.
ومن المعروف أن موازنة العام 2026 التي لم يجف حبرها بعد قد تضمنت موادا مهدت الطريق لفرض رسم على المحروقات من خلال ما جرى الاتفاق عليه داخل لجنة المال والموازنة، بين رئيس اللجنة إبراهيم كنعان ووزير الماليّة ياسين جابر، علما أن ذلك لم يكن جزءًا من مشروع قانون الموازنة المُحال من قبل الحكومة. وبهذا المعنى، كان النوّاب داخل اللجنة قد أقروا هذا التوجه، بموازاة الضغط الحاصل لتصحيح أجور العاملين في القطاع العام، والذي بلغ ذروته مع تمثيلية اقتحام حواجز حرس المجلس والوصول إلي المبنى خلال مناقشة الموازنة والتفاوض بين المحتجين والنواب والوزير ياسين جابر.
أما مسؤولية النواب عن الضريبة فهي تتجاوز ما جرى اقراره حكوميا ليطال قطع الطريق على نحو كامل على أي تطوير للسياسة الضريبية، بما يقود إلى تأمين واردات جديدة وبديلة تستطيع تأمين أموال تكفي وتفيض لدفع تعويضات ورواتب المتقاعدين والعاملين في القطاع العام. وكان النواب قد فوضوا الحكومة خلال مناقشات لجنة المال والموازنة حق التشريع لمدة ثلاثة سنوات جديدة لتمكين وزير المالية تأمين موارد جديدة. ومن المعروف أن الحكومة سبق وقررت فرض رسم جديد على المحروقات، الا أنّ مجلس شورى الدولة أبطل القرار، واعتبر أنّ الحكومة تجاوزت حدّ السلطة، بفرض القرار من دون الحصول على موافقة البرلمان. ولذلك تمكنت التسوية البرلمانيّة مع الحكومة من إعادة إصدار القرار نفسه، إنما مع سند قانوني يتيح للحكومة التشريع في المجال الجمركي، وفرض هذه الرسوم الجديدة على المحروقات.
خيارات وتبريرات ضعيفة
قدم رئيس الحكومة نواف سلام مرافعة ضعيفة لتبرير الزيادة وتهدئة الشارع، إذ قال “اضطررنا للزيادة على سعر البنزين ولكننا ألغينا الزيادة على المازوت”. وأشار إلى أنّه “نريد أن تصل حقوق موظفي القطاع العام إلى أصحابها”، مؤكّداً “أننا نسعى من خلال القرار إلى تحسين جباية الضرائب والرسوم الجمركية وإصدار أوامر تحصيل للكسارات وإعادة دراسة الأملاك البحرية”. واعتبر أنّ “الزيادة على الـTVA تطال الأغنياء”.
وبرر وزير المالية ياسين جابر، قرارات الحكومة بشأن رواتب القطاع العام بالقول، “إننا وصلنا إلى أزمة متصاعدة وقطاع عام مشلول ويعاني، وكان لا بد من قرار”. وقال: “اتخذنا القرار بتطبيق قرار الزيادة على البنزين فوراً لمنع السوق السوداء “، كاشفاً “أننا عملنا على مشروع لتصحيح رواتب الخدمة المدنية لكنه غير جاهز بعد لإطلاقه”.
وأعلن بأنه “للمرة الأولى حولنا 200 شركة للنيابة العامة بسبب تهربها من الضرائب وزدنا عائدات الجمارك ونعمل على أمور كثيرة لتحسين الجباية”، مشيراً إلى أن “الضغط أكثر من اعتيادي، متسائلاً هل زدنا ضرائب غير هذه المرة؟ وتابع : “في عام 2025 لم نزد أي رسم”.
ومن المعروف أن الحكومة كانت بين خيارين أحلاهما مر: فهي إما أن تعمد إلى النهج الذي مارسته الحكومات السابقة من خلال الحصول على ديون لم تتمكن في المحصلة من سدادها، وهو ما لاسبيل لتكراره هذه الأيام، أو أن تطبع كميات اضافية من العملة الورقية ما يعيد منسوب التضخم إلى الارتفاع نحو أرقام فلكية تسببت في شقاء معظم اللبنانيين. ومثل هذا الوضع معطوفا على تهريب العملات الصعبة إلى الخارج قاد إلى أبشع فضيحة عرفها اقتصاد دولة في العالم منذ القرن التاسع عشر على صعيد نهب أموال اللبنانيين ومدخراتهم.
جيوب المواطنين!
ولأن كلا الخيارين لا يمكن اعتمادهما معا أو أحدهما، قررت الحكومة مد يدها إلى جيوب المواطنين عموما وتدفيعهم كلفة تحسين رواتب القطاع العام والمتقاعدين، علما أنه كان بإمكانها أن تعتمد حلولا تتطابق مع شعارها “حكومة الاصلاح والتغيير”. فالمعروف أن الزيادة التي أقرت حصل عليها من يستحقونها وأكثر، ومن لا يستحقونها أيضا كونهم ممن لا يأتون إلى مراكز عملهم إلا لقبض رواتبهم. هذا عن نسبة لا تقل عن 60 % من الموظفين ممن لا لزوم لهم أصلا. أي أنه بدل أن تعمد الحكومة إلى هيكلة القطاع العام وترشيقه بعد اخضاعه لعملية تقييم تحافظ خلالها على المنتجين، وتعمد إلى إعادة تأهيل الباقين، والإفادة منهم في سد الفراغات التي تعاني منها معظم الإدارات العامة، والتي يصل النقص في بعضها إلى 70% من العدد المفترض أن ينهض بأعبائها، قامت بدفع تعويضا للجميع دون حد أدنى من التدقيق.
دون مزيد من الشرح يمكن القول إن الضرائب الجديدة وقعت على كاهل المواطنين بشكل أساسي، فيما تكثر الأحاديث عن التهرب الضريبي والتهريب من المرافيء وعدم فرض الرسوم على المقالع والكسارات والتعديات على الأملاك البحرية والنهرية، التي لا تُفرض عليها أي رسوم وضرائب عادلة ومنصفة ترفد الخزينة بإيرادات حقيقية لتلافي تسليط الضغط على الفئات الفقيرة. كما يجري التداول بأهمية إصلاح وهيكلة القطاع العام، لكن ما يحدث خلاف ذلك إذ يتم رفع الرواتب من دون معالجة جذرية للخلل البنيوي في هذا القطاع الذي يقول وزير الاقتصاد نفسه أنه يستنزف حوالي 50% من الموازنة العامة.