في ذكرى يوم التأسيس #السعودي : ثلاثة قرون من بناء الدولة وسيادة القانون…

مسيرة إنسانية جعلت كرامة الإنسان محور الحكم

مسيرة إنسانية جعلت كرامة الإنسان محور الحكم
@dr_tarakji
بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت

في الثاني والعشرين من فبراير، لا تستعيد المملكة العربية السعودية مجرد محطة تاريخية عابرة، بل تستحضر لحظة تأسيس كيان سياسي امتد عبر ثلاثة قرون، حافظ على جوهر الدولة، وكرّس مفاهيم الاستقرار والسيادة ووحدة المجتمع.

إن يوم التأسيس، الذي يعود إلى عام 1727م، يمثل بداية مسار دولة لم تُبنَ على ظرف مؤقت، بل على رؤية متجذّرة في مفهوم النظام، وترسيخ السلم الأهلي، وتعزيز مكانة الإنسان في قلب المشروع الوطني.

ومن منظور اجتماعي – قانوني، فإن قراءة تجربة الدولة السعودية عبر تاريخها تكشف عن معادلة دقيقة جمعت بين الحفاظ على الهوية، وبناء مؤسسات قادرة على التطور والاستجابة للتحولات. لقد شكّلت الحوكمة الرشيدة، وتعزيز البنية النظامية، وحماية الأمن المجتمعي، عناصر أساسية في تثبيت الاستقرار الداخلي، وهو ما يُعد شرطًا أوليًا لأي منظومة حقوقية فعّالة.

إن الدولة التي تنجح في صون وحدتها، وتحقيق الأمن لمواطنيها، وتهيئة بيئة مستقرة للتنمية، تضع الأساس الفعلي لحماية الحقوق والحريات ضمن إطار من المسؤولية القانونية والمؤسسية. وفي هذا السياق، شهدت المملكة خلال العقود الأخيرة تحولات استراتيجية عميقة، ارتكزت على تحديث التشريعات، وتعزيز الشفافية، وتطوير مؤسسات العدالة، بما يعكس إرادة واضحة لمواءمة البناء الوطني مع المتغيرات العالمية، دون التفريط في ثوابتها.

وقد تجلّت هذه الرؤية الإصلاحية بوضوح في المرحلة المعاصرة، حيث أصبح الاستثمار في الإنسان تعليمًا، وتمكينًا اقتصاديًا، ورعاية صحية، ومشاركة مجتمعية، جوهر السياسات العامة.

إن وضع الإنسان في صدارة الأولويات ليس شعارًا سياسيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يُترجم في برامج تنموية شاملة، تعكس إيمانًا بأن كرامة المواطن، وحقه في الفرص، وحياته الآمنة، هي الركيزة الحقيقية لاستمرار الدولة وقوتها.

أما على الصعيد الدولي، فقد رسخت المملكة حضورها كفاعل إنساني بارز في مناطق النزاعات والكوارث، من خلال مبادرات إغاثية وتنموية عابرة للحدود، تعكس التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا بدعم الاستقرار الإقليمي والدولي.

وفي زمن تتشابك فيه الأزمات، برز الدور السعودي في دعم العمل الإنساني، والمساهمة في جهود الوساطة، وتعزيز مسارات الحوار، باعتبارها أدوات لحماية المدنيين وتقليل تداعيات النزاعات.

إن دعم القانون الدولي، وترسيخ مبدأ احترام سيادة الدول، والالتزام بالمشاركة الفاعلة في الجهود الدولية الرامية إلى حفظ الأمن والسلم، ليست مجرد عناوين في الخطاب السعودي المعاصر، بل تمثل ثوابت راسخة في السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية. فمن خلال مواقفها المتوازنة ومبادراتها الدبلوماسية والإنسانية، سعت المملكة إلى إرساء مناخ دولي قائم على الشراكة، والحوار، والتكامل، بما يحقق التوازن بين مصالحها الوطنية ومسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه المجتمع الدولي.

وفي هذا السياق، برز الدور السعودي في مكافحة الإرهاب على المستويين الإقليمي والدولي بوصفه أحد أبرز تجليات هذا الالتزام. لقد خاضت المملكة معركة شاملة ضد التطرف والإرهاب، أمنيًا وفكريًا وتشريعيًا، إدراكًا منها بأن الإرهاب لا يستهدف دولة بعينها، بل يهدد الإنسانية جمعاء.

وأسهمت في دعم التحالفات الدولية، وتطوير الأطر القانونية لمكافحة تمويل الإرهاب وتجفيف منابعه، وتعزيز التعاون مع كل دول العالم ، في جهد يتجاوز حدود الجغرافيا ليصبّ في حماية السلم العالمي.

والجدير أن نذكر التضحيات التي قدّمها أبناء القوات السعودية في مواجهة الإرهاب، دفاعًا عن أمن وطنهم واستقرار المنطقة، والتي تمثل صفحة مشرّفة في سجل الواجب الوطني والإنساني. فهؤلاء الشهداء الذين واجهوا قوى الظلام في مختلف الجبهات، إنما قدّموا أرواحهم نيابةً عن أمن مجتمعاتهم، وعن أمن البشرية التي يهددها الإرهاب بلا تمييز. ومن الواجب الأخلاقي والإنساني أن يُستحضر عطاؤهم بكل إجلال، وأن يُعترف بالدور الذي قامت به المملكة في تحصين المنطقة والعالم من مخاطر العنف والتطرف.

وبهذا، تترسخ صورة المملكة العربية السعودية كدولة لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها، بل تتحمل مسؤولياتها الدولية بروح الاعتدال، وتُسهم بفاعلية في حماية النظام الدولي، وصون حياة الإنسان وكرامته في مواجهة أخطر التحديات المعاصرة.

ويكتسب يوم التأسيس هذا العام بعدًا روحيًا مضاعفًا لتزامنه مع شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والتكافل والقيم العليا. إن تلاقي رمزية الدولة الممتدة عبر ثلاثة قرون مع روحانية الشهر الفضيل، يعمّق معاني العطاء والتضامن، ويجسد الارتباط الوثيق بين البناء الوطني ومنظومة القيم الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع السعودي.

وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، نتقدم بأصدق التهاني والتبريكات إلى الشعب السعودي العظيم، الذي كان “وما يزال” الشريك الحقيقي في مسيرة البناء، وصاحب الدور الأصيل في ترسيخ الاستقرار ودعم مسارات التنمية والتحول.

كما نرفع أسمى آيات التهاني إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود سائلين الله له دوام الصحة والعافية، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد الأمين، الذي يقود مرحلة تحول تاريخية عززت موقع المملكة إقليميًا ودوليًا، ودفعت بمشروع تنموي شامل يضع الإنسان في قلب الرؤية المستقبلية.

إن يوم التأسيس السعودي ليس ذكرى تاريخية فحسب، بل هو تجديد للعهد مع الدولة والإنسان، مع العدالة والاستقرار، ومع رسالة إنسانية تتجاوز الحدود والجغرافيا.

ثلاثة قرون من السيادة، وثلاثة قرون من العطاء، ومسيرة متواصلة تؤكد أن الدولة التي تحمي إنسانها وتحترم القانون، تظل قادرة على أن تكون نموذجًا في البناء والاستمرارية.

اخترنا لك