بقلم د. أنطوان مسرّه
لا استقرار ولا ثقة بلبنان ولا مستقبل آمنًا ولا سلم أهليًا ثابتًا من دون نقد ذاتي شامل لدى كل الأحزاب والطوائف والمجتمع لمقاربات وسلوكيات وممارسات وكتابات وسجالات ببغائية حول “النظام” و “الطائفية” و “العلمنة” والدولة “المدنية”… إنها سجالات تفتقر إلى المنهجية والعمق والرؤية التطبيقية.
إن الانشقاق بين اللبنانيين ليس بين مذاهب ومسلمين ومسيحيين وأحزاب ومناطق، بل بين الذين تعلموا مما حصل والذين لم يتعلموا! ما العمل في سبيل ذاكرة جماعية مشتركة ومناعة وطنية تجاه مغامرين ومقامرين ودعارة دبلوماسية في العلاقات الدبلوماسية والاستقواء لتعديل البنيان اللبناني القائم على قوة التوازن وليس توازن القوى؟
لا أمل بالمستقبل إلا من خلال نقد ذاتي شامل من قبل اللبنانيين الذين ينحون غالبًا نحو توجيه الاتهام إلى الغير “والطبقة السياسية” والواقع العدائي الصهيوني والواقع الإقليمي الدولي! المشكلة بالعمق هي في ذاتنا في مقاربة شؤون لبنان وفي ذهنياتنا في علم النفس التاريخي والعيادي وأقوالنا الشعبية، الراقية في العلاقات الاجتماعية وبين الأفراد، ولكنها مدمّرة وقاتلة للدولة: معليش، بيناتنا، شوفيها، مشيها، طرّيها، ما تحمل السلم بالعرض…
هذان التذاكي والتكاذب ما زالا سائدين بالرغم من الكارثة في كل القطاعات! ما هي المنهجية الاختبارية والتطبيقية في سبيل الاستقرار؟
قال الأخضر الابراهيمي للعراقيين في 14/12/2004: “إذا كان هناك من بلد لا يتخيّل أحد أن يتحدث فيه حرب أهلية فهو لبنان”. في الحروب الداخلية وبالوكالة ليس نصف المجتمع يحمل السلاح ضد النصف الآخر! يمكن، بعد تفكك المؤسسات الناظمة، اصطناع حروب داخلية ممتدة في نزاعات داخلية وإقليمية مترابطة. ثلاث مقاربات ماضية في لبنان أصبحت بالغة الخطورة:
1. الاغتراب اللبناني aliénation في اعتبار البنيان اللبناني حالة شاذة في الأنظمة الدستورية عالميًا. يترافق هذا الإدراك مع المقولة الصهيونية التكرارية: “لبنان خطأ تاريخي وجغرافي”!
2. أيديولوجية العصرنة التي تنطلق من الاعتبار أن العصرنة آلية تجانسية مناقضة للانتماءات التحتية الدينية والثقافية.
3. الجهل لدى كتّاب لم يتابعوا الأبحاث العالمية المقارنة منذ سبعينات القرن الماضي، إذ يوجد اليوم في العالم أكثر من ثلاثين دولة تتضمن سياقات في الإدارة الديمقراطية للتعددية شبيهة بالنمط اللبناني في التعددية الحقوقية pluralisme juridique والتمييز الإيجابي discrimination positive.
الثقافة اللبنانية هي توليفية synthèse، أي مارونية – سنيّة – شيعية – درزية – أرمنية – أورثوذكسية – روم كاثوليكية…، إنها إنتاج لبناني أصيل مثل الكرواسان بالزعتر، كما كان يقول ملحم شاوول. الكرواسان هو نمسوي وزعتر المنقوشة لبناني! انتجنا توليفًا مميّزًا. يبيّن الاختبار أن كل من يغامر بالكيانية اللبنانية مصيره الفشل، مثل البحر الذي، بعد طول صبر ومعاناة، يقذف إلى الشاطئ كل ما هو غريب عنه!
الحاجة إلى مثاقفة الدولة من خلال العمل البلدي والجمعيات والنقابات ووسائل الإعلام، في سبيل “تقويم اعوجاج” في سلوكيات لبنانية، وبخاصة علاج عقدة الباب العالي والاستقواء داخليًا بالخارج. إنها سلوكيات تعود جذورها إلى علم النفس التاريخي وهي بالغة الخطورة على الاستقرار والثقة بالمستقبل والأمان وتهدّد سيادة الدولة ووحدانيتها. يقول رالف نادر وهو أميركي من أصل لبناني: “لبناني واحد يساوي مئة أميركي ولكن مئة لبناني يساوون صفرًا”.
أين الشأن العام، المصلحة العامة، في الحيّ السكني والبناء المشترك والمدرسة والبلدية والعمل الوظيفي؟ الحاجة إلى نشر ثقافة وممارسة المصلحة العامة وانطلاقًا من المبدأ: فكّر شموليًا واعمل محليًا. الثقافة لخلاص لبنان والنهوض ليست تسلية ارستقراطية، ولا ثقافة الحدث الإعلامي، ولا ثقافة الوجاهة، بل الثقافة الثقافية التي لا تغير في حياة الإنسان وحياة المجتمع. الثقافة الثقافية تغير في حياة الإنسان وسلوكياته وحياته اليومية والعامة.
كل تعددية هي صعبة الإدارة حتى في العائلة النووية المنسجمة. كتبت جريدة Le Monde عن لبنان الذي “أصبح وحشًا غير قابل للحكم” devenu monstre ingouvernable (30/11/2020). كيف يكون لبنان قابلاً للحكم؟ كيف نصف حالة الدولة والوحدة الوطنية في لبنان؟ إنه واقع تموضع وتذاكٍ ومساومات وفقدان المناعة وابتزاز: إما الخضوع أو نعود إلى الحرب الأهلية! لا سلم أهليًا بدون عضلات دستورية وثقافية في لبنان التذاكي والتموضع والمعليشية والمساومات في قضايا الدولة والحياة العامة.
تنبع الحكمة، انطلاقًا من الاختبار وفي سبيل الخروج من آلية التكرار، في محاضرة كمال جنبلاط في الندوة اللبنانية في 10/2/1956 حيث يقول: “لبنان وجد لكي يكون بلد العقل، بلد العقلانية، أتينا هذه البقعة من الشرق، ولنترك لسوانا أن يتلهى أو يجازف بلعب دور أسبارطة Sparte فهو ليس دورنا في الواقع، إن نفوسنا تعبت – عبر التاريخ – من تشخيص أدوار الأباطرة أو من تقليد دون كيشوت Don Quichotte”.
هل يستقر لبنان إذا كان أكثر من نصف شعبه، ومن مختلف المذاهب والأحزاب الموصوفة “بالتقليدية” والاتجاهات، يمارس دبلوماسيًا الاستقواء بالخارج والدعارة في العلاقات الدبلوماسية ويشكّك دستوريًا في بنيانه الميثاقي وتاريخية هذا البنيان والمواثيق والتعهدات الوطنية؟ يتعامل اللبناني سلوكيًا في قضايا الدولة والسيادة والمصلحة العامة بذهنية متوارثة في المعليشية والتموضع والتذاكي والتكاذب وبدون وفاء، خلف مقولة “الطبقة السياسية” التي تضم رجال دولة من كل المذاهب والأحزاب ناضلوا في سبيل لبنان الدولة والسيادة والاستقلال.
بعد اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 وكوارثها والانتقال من لبنان الساحة إلى لبنان الساحات تنتشر بين اللبنانيين ذهنية التذمر والتشكي والإنكار في لبنان الدولتين مع نقد الحكم والحكومة. لا استقرار بدون نقد لبناني ذاتي لبناني شامل.