بقلم مروان الأمين
@m_elamine
يقف لبنان اليوم على حافة مرحلة شديدة الخطورة، في ظل تصاعد الحديث عن احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران، وما قد يستتبعها من تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية لتطول ساحات نفوذها في المنطقة. وفي مقدّم هذه الساحات، يقف لبنان مكشوفًا على احتمالات مفتوحة، بفعل ارتباط “حزب الله” العضوي بالمشروع الإيراني، وتمسّكه بسلاحه ومنظومته العسكرية والأمنية خارج إطار الدولة.
التصريحات الصادرة عن قيادته، ولا سيما ما أعلنه الشيخ نعيم قاسم حول استعداد “الحزب” لفتح جبهة لبنان دعمًا لإيران في حال اندلاع مواجهة، تضع البلاد عمليًا في قلب معادلة إقليمية بالغة الخطورة.
الأخطر لا يتصل فقط باحتمال إدخالنا في حرب مُدمّرة مجدّدًا، بل بوقوف الدولة متفرّجة على مسار جرّ البلاد إلى هذه الحرب. إن الغائب الأكبر عن هذا المشهد هو تحمّل المسؤولين اللبنانيين مسؤولياتهم. لا مبادرات سياسية واضحة، ولا خطوات عملية لاستعادة قرار الدولة، ولا استعادة لثقة المجتمعين العربي والدولي. الصمت، أو الاكتفاء بالعموميات والشعارات، سمات السلطة في لحظة بالغة الخطورة.
لبنان لا يملك ترف الانتظار ولا احتمال المغامرة. المطلوب خطوات واضحة وجديّة من المسؤولين تضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر، وتعيد تثبيت قاعدة بديهية: أمن اللبنانيين واستقرارهم ليسا ورقة تفاوض إيرانية، بل أولوية مطلقة لا يجوز التفريط بها تحت أي عنوان.
وهنا لا بد من استحضار اسم الرئيس الشهيد رفيق الحريري بمناسبة مرور واحد وعشرين عامًا على اغتياله، لقياس المسافة الشاسعة بين زمنٍ كان فيه رجل يحمل مشروعًا واضح المعالم ويبادر باتجاه العالم لحماية البلد، وبين المسؤولين الحاليين الغارقين في الضبابية والمراوغة والشعارات.
قد يكون رفيق الحريري الوحيد الذي حمل مشروع ورؤية مستقبلية للبنان وشرع في تنفيذهما. جوهر تلك الرؤية كان إعادة الإعمار كركيزة أساسية للخروج من الحرب وإزالة المتاريس بين اللبنانيين بوصفها مدخلًا لاستعادة الدولة، وبناء مناعة داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية تتيح له، في لحظةٍ ما، التخلّص من الوصاية السورية، وتحضير لبنان لملاقاة مشروع السلام الذي كان يُرسم للمنطقة آنذاك. يمكن اختصار رؤيته ومشروعه بـ: إخراج لبنان من منطق الحرب إلى أفق السلام والدولة الطبيعية المنخرطة بعلاقة إيجابية تقوم على الاحترام والثقة والمصالح المشتركة مع المجتمعين العربي والدولي.
في ظل غياب أي خطوات مسؤولة تفرضها المخاطر الحالية، وعدم وجود رؤية ومشروع مستقبلي لدى أهل السلطة، تُرفع العناوين والوعود الفضفاضة، بلا خطط تنفيذية واضحة، ولا جداول زمنية. يمارسون السلطة على قاعدة إدارة أزمة دائمة، وتقاسم حصص، لا صناعة مستقبل.
استعادة لبنان مكانته الطبيعية تمرّ بعناوين باتت معروفة ولا تحتمل المواربة: حصر السلاح بيد الدولة، إطلاق إصلاحات بنيوية حقيقية ومكافحة جدّية للفساد، إعادة إعمار ما تهدّم على أسس شفافة، وإعادة تموضع لبنان ضمن خريطة التحولات الإقليمية، بما في ذلك الإقدام في ملف السلام مع إسرائيل. علمًا بأن الوعد بإعادة الإعمار من دون الإقدام على تسويات سياسية كبرى تحمل الاستقرار الدائم وتبدّد المخاطر بشكل نهائي، وفي مقدمها السلام، ليس سوى بيع أوهام للجنوبيين.
المراوحة بين الشعارات والتقاعس تضعنا مجدّدًا في عين العاصفة. لبنان لا يحتاج إلى مزيد منها، بل إلى مشروع ورؤية مستقبليّة، وشجاعة الإقدام على التنفيذ، مشروع يعيد تعريف دور لبنان ويستعيد ثقة الداخل والخارج معًا.