بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@MirazJundi

كاتب ومحلل سياسي
التحركات العسكرية لـ”الولايات المتحدة” في الشرق الأوسط ليست استعراضًا إعلاميًا. التاريخ يقول إن واشنطن لا تحشد بلا هدف، ولا ترسم خطوط النار عبثًا. قد تتحقق أهدافها بالضغط السياسي والاقتصادي، وقد تُحسم المواجهات من دون حرب شاملة، لكن الثابت أن مرحلة جديدة تُرسم في المنطقة، ومن يظن أن لبنان خارج الحسابات واهم.
أما وهم أن نظام إيران عصيّ على التحولات أو أنه قدرٌ دائم في الإقليم، فهو قراءة قاصرة. مشروع “تصدير الثورة” لم يكن يومًا شعارًا ثقافيًا، بل مشروع نفوذٍ مسلحٍ عابرٍ للحدود، تمدّد حيث وُجد فراغ الدولة، واستثمر في الانقسام، وفرض معادلات بقوة السلاح.
في لبنان، لم تعد المسألة خلافًا سياسيًا بين فريقين. نحن أمام أزمة سيادة مكتملة الأركان. لا دولة تقوم بقرارين، ولا جمهورية تُدار بسلاحين، ولا اقتصاد يُنهضه واقع أمني مزدوج. كل يوم يمرّ وسلاح خارج الشرعية يقرر في الحرب والسلم، هو يوم إضافي في مسار سقوط الدولة.
لنكن واضحين: لا أحد يدعو إلى حرب أهلية، ولا إلى فتنة داخلية. لكن في المقابل، لا يمكن القبول بمنطق “التعايش الدائم” مع سلاحٍ يتقدّم على الدستور. الدولة، إن أرادت أن تكون دولة، لا تساوم على سيادتها. حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية ليست شعارًا، بل شرط بقاء.
رفع الغطاء السياسي عن أي سلاح خارج إطار الشرعية هو البداية. إنهاء ازدواجية القرار هو المدخل.
إعادة الاعتبار للدستور والمؤسسات هو الطريق. وإذا فُرضت المواجهة لحماية الكيان، فالمواجهة تكون بقرار الدولة وحدها، وتحت رايتها وحدها، لا بقرار الميليشيات.
لبنان لا يمكن أن يبقى صندوق بريدٍ لصراعات الآخرين، ولا ساحةً متقدمة لمشاريع إقليمية تتجاوز حدوده. لحظة الحسم آتية في المنطقة، والسؤال ليس إن كانت ستصل إلينا، بل كيف سنكون عندما تصل، دولةً واحدة بقرارٍ واحد… أم ساحةً مفتوحة لكل الرياح؟
المعركة اليوم ليست مع طائفة، ولا مع بيئة، ولا مع جمهور. المعركة مع واقعٍ شاذّ يُبقي لبنان رهينة. والمعركة الحقيقية هي معركة استعادة الدولة كاملة غير منقوصة.