خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
لم يعد من الممكن قراءة الانتخابات النيابية اللبنانية كاستحقاق داخلي منفصل عن سياقه الإقليمي. فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته السياسية وتشابك قواه مع محاور المنطقة، يتأثر مباشرة بمسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. من هنا، فإن فهم ما يجري خلف الكواليس بين واشنطن وطهران يشكّل مدخلاً أساسياً لفهم مستقبل المجلس النيابي اللبناني.
المنطقة اليوم تعيش على وقع تصعيد متدرّج. فكلما رفعت الإدارة الأميركية سقف شروطها، ازدادت احتمالات تعثّر المفاوضات. ومع تعقّد الملفات، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي، يصبح المشهد مفتوحاً على احتمالين متناقضين: حرب مدمّرة تعيد رسم خرائط النفوذ، أو تسوية سياسية قد يراها البعض تنازلاً قاسياً يغيّر موازين القوى من دون إطلاق رصاصة.
في هذا السياق، يبرز التقاطع الأميركي – الإسرائيلي بوضوح، حيث يقود بنيامين نتنياهو توجهاً حاسماً لمنع إيران من تثبيت حضور نووي استراتيجي. في المقابل، لا تبدو واشنطن مرتاحة لسلوك طهران، سواء في ما يتعلق بالالتزامات النووية أو بإدارة نفوذها في ساحات عدة، من بينها الساحة اللبنانية.
هذا التوتر لا يبقى في إطار التصريحات. فالمجتمع الدولي يتعامل مع المرحلة بقلق متزايد، وبعض الدول تتخذ إجراءات احترازية تحسباً لأي تصعيد قد يتطور إلى مواجهة واسعة، بما يحمله ذلك من تداعيات عسكرية وأمنية وحتى بيئية في حال استهداف منشآت نووية.
أما في الداخل اللبناني، فتقف القوى السياسية في موقع الترقب. إجراء الانتخابات في موعدها، وضمن التوازنات الحالية، يصبّ “وفق قراءة واقعية” في مصلحة القوى الشيعية وحلفائها، ما يعني تثبيت المشهد النيابي القائم وربما تعزيزه. لذلك يواصل رئيس مجلس النواب نبيه بري مساره الانتخابي انطلاقاً من قاعدة أن الاستحقاق الدستوري يجب أن يُنجز ما دامت الظروف الأمنية لم تنفجر.
لكن هذا المسار يبقى هشاً. ففي حال اندلاع حرب واسعة، وتعرض حزب الله لضربات قاسية تؤثر جذرياً في قدراته، فإن المشهد السياسي اللبناني سيتبدل بالكامل. عندها قد يصبح تأجيل الانتخابات أمراً واقعاً، وربما لفترة طويلة، ريثما تتضح نتائج المواجهة وتُعاد صياغة موازين القوى على ضوء ما ستفرزه الحرب.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الحسابات الدولية الأوسع. فهناك من يربط بين الملف الإيراني ومآلات الحرب في أوكرانيا، مع احتمال وجود تفاهمات كبرى تشمل روسيا في إطار إعادة توزيع النفوذ. كما أن التحركات الدبلوماسية التي يقوم بها نتنياهو، ومنها زيارته إلى الهند، تتزامن مع توترات في محيط باكستان وأفغانستان، ما يعكس تشابكاً إقليمياً قد يؤثر في حسابات الدعم أو الحياد في أي مواجهة محتملة.
في المحصلة، الانتخابات النيابية اللبنانية ليست مجرد محطة دستورية، بل هي نتيجة مباشرة لتوازنات إقليمية لم تُحسم بعد. فإذا نجحت المفاوضات، قد تمر الانتخابات بهدوء نسبي ويُعاد إنتاج السلطة وفق المعادلات القائمة. أما إذا فشلت، فإن لبنان قد يدخل مرحلة مختلفة تماماً، تتجاوز حدود صناديق الاقتراع إلى إعادة رسم المشهد السياسي برمّته.
لبنان، مرة جديدة، ينتظر ما ستقرره العواصم الكبرى، فيما مصير استحقاقه النيابي معلّق بين تسوية لم تولد بعد، وحرب قد تطرق الأبواب في أي لحظة.