خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
عاشت منطقتنا عقودًا تحت ظل حكمٍ رفع شعارات قومية كبرى، لكنه في الواقع دمّر العالم العربي، وأغرقه في صراعات لم تترك بيتًا إلا ولامسته. حكمٌ لم يكتفِ بإشعال الحروب، بل دمّر حياة أجيال من الشباب العربي والفارسي، بلغةٍ لا تعرف إلا الدم، وبخطابٍ جعل الموت طريقًا وحيدًا إلى المجد.
لم يكن الخراب عابرًا، ولا كان نتيجة أخطاء سياسية محدودة، بل كان امتدادًا لمشروع عقائدي تأسس مع نظرية روح الله الخميني في إيران، حين تحولت “ولاية الفقيه” من فكرة دينية إلى سلطة سياسية مطلقة. سلطة اعتبرت نفسها وليّ الله على الأرض، ومنحت لنفسها حق تقرير مصير الشعوب، والتحدث باسم الملايين، ومحاسبة كل من يعترض باسم الدين.
على مدى سنوات طويلة، جرى ترسيخ هذه العقيدة في عقول أطفال المدارس، وتربّت عليها أجيال لم تُمنح فرصة التفكير خارج إطارها. فُهم أن الحق يأتي من الولي وحده، وأن مشروعيته غير قابلة للنقاش، وأن الشهادة هي الغاية القصوى، وأن الإنسان مشروع شهيد ما دام يخدم الهدف الذي رسمته الولاية.
بهذا المنطق، تراجع فكر السلام في نفوس كثيرين، وحلّت مكانه ثقافة تعبئة دائمة. لم يعد الإنسان قيمة بحد ذاته، بل أداة في معركة مفتوحة بلا نهاية.
ما شهدته المنطقة من رعب ودمار لم يكن صدفة. لم يكن انفجارًا عفويًا للأحداث، بل جزءًا من مشروع يرى في الفوضى وسيلة، وفي السيطرة غاية. مشروع لم يتردد في قمع شعبه يوميًا، وفي نقل أزماته إلى العالم العربي تحت شعار “الدولة الفارسية” وتوسيع نفوذها.
قُصفت عواصم عربية ومدن آمنة باسم “تحرير القدس”. طال الاستهداف الأردن، وضُربت الرياض، واهتزّت الكويت والبحرين، ووصل القصف إلى أبوظبي ودبي. لكن البوصلة اختلطت؛ فالحرب التي قيل إنها موجّهة ضد العدو الصهيوني والاستعمار الاميركي تحوّلت عمليًا إلى صراعات داخل البيت العربي والإسلامي.
الإسلام لم يأمر بقتل السوريين، ولا اللبنانيين، ولا اليمنيين. لم يأمر باغتيال من قال كلمة حق في وجه الظلم. لكن من عارض المشروع كان يُصنَّف عدوًا، لا لأنه اعتدى، بل لأنه رفض الخضوع. من الشهيد رفيق الحريري إلى الشهيد لقمان سليم، سقطت أصوات دفعت حياتها ثمنًا لموقفها، في مشهدٍ جسّد قسوة مرحلة لم تتسع للرأي الآخر.
واليوم، ونحن أمام نهاية هذه الحقبة، يبدو أن زمنًا من البؤس والدمار يطوي صفحته، وأن طريق الحياة يفتح أبوابه من جديد. لكن هذه النهاية لا تمرّ من دون أثر. في لبنان، يقف الحزب الذي خدم هذا النهج طويلًا أمام واقع جديد، “يُتم سياسي واضح”.
حزب اعتاد أن يستمدّ شرعيته من مرجعية عليا، وأن يتحرك وفق توجيه مركزي، يجد نفسه اليوم أمام فراغ ثقيل. يتحدث باسمه، لكن من دون مرشد. يتحرك، لكن من دون هادٍ واضح. يصمت أحيانًا، كأن الصمت اعتراف بحجم التحول. من دون ممولٍ ثابت، ومن دون غطاءٍ عقائدي جامع، يصبح السؤال مشروعًا: كيف يستمر من بُني على الارتباط المطلق، إذا اهتزّ أصل الارتباط؟
إن نهاية ولاية الفقيه ليست مجرد حدث سياسي، بل تحوّل في الوعي. هي سقوط فكرة أن الإنسان خُلق ليكون وقودًا في مشروع لا يملك قراره، وأن الطاعة تعلو على الحياة.
اليوم، تعود قيمة الإنسان إلى الواجهة. تعود فكرة أن الحياة أولى من الموت، وأن الوطن أولى من أي مشروع عابر للحدود. تعود الحقيقة البسيطة: أن الشعوب ليست أدوات، وأن الأوطان لا تُدار بالشعارات، بل بالعدل والاستقرار واحترام كرامة الناس.
قد تكون هذه نهاية مرحلة طويلة، لكنها بداية زمنٍ جديد… زمن تُستعاد فيه الحياة بعد أن طغى عليها صوت الحرب.