اغتيال من خلف طاولة التفاوض : كيف سقط خامنئي بين خدعة الدبلوماسية واختراق الداخل؟

خاص بوابة بيروت

ما جرى في إيران لم يكن ضربة عسكرية عابرة، ولا قرارًا انفعاليًا اتُّخذ في لحظة غضب. ما حدث “وفق التقارير الأمنية” كان عملية خداع سياسي واستخباراتي معقّدة، نُفِّذت بهدوء وعلى مراحل، حتى اللحظة الأخيرة. لم تكن الصواريخ هي المفاجأة، بل المسرح الذي سبقها.

قبل الاغتيال، كانت المفاوضات التي جرت في عُمان تُقدَّم للرأي العام باعتبارها مسار تهدئة، وإشارة إلى أن لغة الدبلوماسية ما زالت ممكنة. لكن في العمق، بدا المشهد وكأنه غطاء زمني لإعادة ترتيب أوراقٍ أكبر.

طهران كانت تعتقد أنها داخل عملية تفاوضية مفتوحة، وأن التصعيد مؤجل أو مستبعد. غير أن القرار، بحسب هذه الرواية، كان قد اتُّخذ قبل أسبوع كامل من التنفيذ، فيما استمرت القنوات الدبلوماسية شكليًا، لا لتمنع الضربة، بل لتؤمن لها عنصر المفاجأة.

الأخطر في القصة ليس فقط توقيت التنفيذ، بل مصدر المعلومة. فالمعطيات تشير إلى أن التفاصيل الحاسمة لم تأتِ من رصدٍ تقني أو أقمار صناعية فحسب، بل من داخل الدائرة الإيرانية الضيقة نفسها. معلومات دقيقة عن المقر، والتوقيت، والتحركات، لا يمكن أن تكون نتاج تخمين أو مراقبة بعيدة. هذا النوع من البيانات لا يعرفه إلا من هم قريبون جدًا من مركز القرار.

كان خامنئي “وفق السرد الأمني” في مقره، مطمئنًا إلى أن منطق السياسة ما زال يحكم، وأن التفاوض يشكّل شبكة أمان. لكنه لم يدرك أن التفاوض نفسه قد يكون جزءًا من العملية. هنا تكمن الخدعة الأولى، إقناع الخصم بأن الطاولة ما زالت قائمة، بينما السكين جاهزة خلف الستار.

ثم جاءت اللحظة الأكثر إثارة للجدل، تصريح دونالد ترامب بأنه شاهد تسجيلًا يُظهر إخراج الجثة. السؤال الذي يفرض نفسه ليس سياسيًا فحسب، بل أمنيًا بامتياز: من صوّر؟ ومن أرسل؟ وكيف وصلت المادة بهذه السرعة؟ هذا لا يحدث إلا إذا وُجدت عيون في قلب الحدث، وأيدٍ قادرة على التوثيق والإرسال فورًا. إن صحّ ذلك، فنحن أمام اختراق عميق، لا من الخارج فقط، بل من الداخل الذي يُفترض أنه الأكثر تحصينًا.

الخدعة الثانية إذًا لم تكن صاروخًا، بل خيانة. لم تكن طائرة مسيّرة، بل ثقة مضللة في دوائر قريبة. النظام الذي بنى شرعيته على القبضة الأمنية الصارمة، اكتشف أن أكثر ما يخترقه ليس التكنولوجيا، بل البشر.

المفارقة أن القوة التي طالما تحدّثت عن “توازن الرعب” و”المعركة الطويلة” وجدت نفسها أسيرة وهمين، وهم أن التفاوض يمنح حصانة، ووهم أن الدائرة الضيقة عصيّة على الاختراق. في السياسة، لا يُخدع إلا من يعتقد أنه يسيطر على كل الخيوط.

إن صحّت هذه المعطيات، فإن ما حدث ليس مجرد عملية اغتيال، بل فضيحة بنيوية تكشف هشاشة منظومة ظنّت نفسها منيعة. لقد انخدع المرشد الإيراني مرتين، مرة حين صدّق أن المسار التفاوضي يحميه، ومرة حين اطمأن إلى أن الداخل مغلق بإحكام.

وفي الحساب الأخير، لا يمكن توصيف ذلك إلا بوصفٍ واحد، جهلٌ سياسي انطلى عليه الخداع مرتين، ودليل غباء استراتيجي كلّف رأس النظام نفسه.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com