خاص بوابة بيروت

كاتبة وناشطة سياسية
منذ 11 أيلول 2001، والعالم يعيش في ارتجاجٍ مستمر. حروب، عقوبات، انهيارات مالية، ثورات، فضائح، صعود قوى جديدة، وانكشاف شبكات نفوذ كانت تعمل في الظل.
لكن وسط هذا الضجيج، يظهر سؤال أعمق من السياسة، هل نحن في مرحلة انهيار فقط… أم في مخاض تحوّل؟
لقد تعلّمنا خلال العقدين الماضيين أن القوة وحدها لا تبني نظاماً مستقراً، وأن إسقاط أنظمة لا يعني بناء دول، وأن الفوضى قد تُسقط الطغيان لكنها قد تفتح الباب لفراغ أخطر.
ما بعد 11 أيلول لم يكن ولادة “نظام عالمي جديد” منظم، بل بداية تفكك نظامٍ قديم.
الحرب على الإرهاب أعادت تشكيل الشرق الأوسط. العقوبات أصبحت أداة ضغط جيوسياسيًا. الاقتصاد تحوّل إلى سلاح. المعلومات صارت أقوى من الجيوش.
وفي خضم ذلك، انكشفت شبكات نفوذ وابتزاز عابرة للحدود، حيث المال والعلاقات والمصالح تتشابك مع السياسة.
قضية Jeffrey Epstein لم تكن مجرد فضيحة شخصية، بل علامة على زمنٍ تتداخل فيه السلطة مع السرية، وتتحول العلاقات إلى أوراق ضغط.
لكن من الضروري أن نكون حذرين، ليست هناك غرفة واحدة تدير العالم، ولا خطة واحدة تتحكم بالتاريخ.
هناك مصالح متنافسة، قوى صاعدة، فراغات نفوذ، ونظام يتشكل عبر الصراع لا عبر التخطيط المركزي.
من الحرب إلى السلام، هل الانتقال ممكن؟
إذا كان العالم العربي قد أصبح ساحة لإعادة توزيع القوة، فذلك لأن الدولة فيه لم تُحصّن من الداخل بما يكفي.
الأنظمة التي اعتمدت على الخارج أكثر مما اعتمدت على شعوبها، وجدت نفسها هشّة.
الاقتصادات الريعية انهارت. العقد الاجتماعي تآكل. الثقة بالمؤسسات تراجعت.
لكن وسط هذا المشهد القاسي، يبرز أفق مختلف، الانتقال من منطق المحاور إلى منطق الدولة، من منطق الردع إلى منطق التنمية، من منطق الخوف إلى منطق الشراكة.
السلام ليس حدثاً يوقَّع على طاولة
السلام عملية طويلة تبدأ بإعادة بناء الداخل:
• اقتصاد منتج لا يعيش على التحويلات والديون.
• تعليم يخلق مواطنين لا أتباعاً.
• قضاء مستقل يحمي الثقة العامة.
• إعلام مسؤول لا يؤجج الانقسام.
• ومجتمع مدني قادر على المساءلة.
السلام ليس ضعفاً. هو أعلى درجات النضج السياسي.
قراءة من منظور جنبلاط
لو كان كمال جنبلاط بيننا اليوم، لربما قال، “احمِ رأسك… ولكن ابنِ جسدك.”
حماية الرأس لم تعد فقط تجنّب ضربة عسكرية. بل منع الانهيار الداخلي.
الأنظمة التي ستصمد ليست الأقوى سلاحاً، بل الأقوى مجتمعاً:
• أمن غذائي يحمي الكرامة.
• تعليم حقيقي يصنع الوعي.
• مؤسسات قابلة للمحاسبة تبني الثقة.
• اقتصاد غير مرتهن لشبكات فساد عابرة للحدود.
الأنظمة التي ضخمّت الرأس “السلطة، الأجهزة، الخطاب” وأهملت الجسد “الشعب، البيئة، العدالة” ستتصدع أولاً.
نحن في مرحلةٍ انتقالية، لا أحد يملك خريطتها النهائية. قد يكون ما نراه انهياراً… وقد يكون تطهيراً مؤلماً لبنيةٍ استهلكها الزمن.
لكن يبقى السؤال مفتوحاً، وهو السؤال الأعمق في زمننا، كيف نحوّل هذا المخاض من دورة عنفٍ متجددة إلى ولادة سلامٍ حقيقي؟ هل نستطيع أن نتعلّم من رماد الحروب كيف نؤسس لعدالةٍ لا تتكرر فيها الأخطاء؟ هل ننتقل من إدارة الصراع إلى صناعة المستقبل؟
ربما الإجابة لا تُكتب في غرف القرار الكبرى، بل في وعي الشعوب حين تعيد تعريف معنى الدولة، ومعنى السيادة، ومعنى السلام.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي، ليس فقط كيف نحمي أنفسنا من الحرب… بل كيف نكون جديرين بالسلام بعد كل هذا الألم.
وكطائر الفينيق، لا ينهض وطننا هرباً من رماده، بل منه… ليحمل في جناحيه وعد فجرٍ أكثر عدلاً وإنسانية.