بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

كاتب ومحلل سياسي
ليس من باب المجاملة ولا من باب الحسابات السياسية نوجّه هذا الكلام إلى اللبنانيين الشيعة، بل من باب الحقيقة الوطنية. فهؤلاء ليسوا طائفة على هامش الدولة، ولا جماعة ملحقة بمشروع عابر للحدود، بل هم ركنٌ أصيل من أركان الكيان اللبناني، وشركاء كاملون في هويته وتاريخه ومستقبله.
من الجنوب إلى البقاع إلى الضاحية، كتب اللبنانيون الشيعة صفحاتٍ من الصمود الاجتماعي والنضال المطلبي، ورفعوا راية الحرمان في وجه الإهمال، وطالبوا بدولة عادلة تنصف أبناءها.
لم يكن مطلبهم يومًا الانعزال عن لبنان، بل الاندماج الكامل فيه بكرامة وعدالة ومساواة. هذه الحقيقة يجب أن تُستعاد، لأنها جوهر القضية.
لكن ما حصل خلال العقود الأخيرة أن القرار السياسي داخل البيئة الشيعية اختُزل تدريجيًا في إطارٍ حزبي واحد، وصار الصوت المتعدد محاصرًا، والرأي المختلف مكلفًا، والنقاش العام مشوبًا بالخوف أو التخوين. وهنا تكمن المعضلة: ليس في هوية الطائفة، بل في احتكار تمثيلها ومصادرة قرارها.
إن أي مقاربة وطنية صادقة يجب أن تميّز بوضوح بين الناس وخياراتهم الحرة، وبين مشروع سياسي صادر قرارهم وربط مصيرهم بمحاور إقليمية وصراعات لا تشبه أولوياتهم المعيشية ولا طموحات أبنائهم.
لبنان لا يمكن أن يكون دولة مستقرة في ظل سلاح خارج مؤسساته، كما لا يمكن أن تزدهر أي بيئة لبنانية في ظل اقتصاد منهار وعزلة عربية ودولية خانقة.
لقد دفع اللبنانيون الشيعة أثمانًا باهظة، كما سائر اللبنانيين: شبابٌ هاجروا أو سقطوا في حروب متكررة، مناطق تضرّرت، اقتصاد تراجع، وصورة وطنية تعرّضت للتشويه. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل هذه الأثمان خدمت فعلًا مشروع الدولة والكرامة، أم أنها عمّقت الانقسام وأضعفت لبنان الذي يُفترض أن يكون المظلّة الجامعة للجميع؟
إن الخطاب المسؤول لا يستهدف طائفة ولا يخاصم مجتمعًا. على العكس، هو يدعو إلى تحرير الطوائف من أسر المشاريع الضيقة، وإعادة الاعتبار إلى مفهوم المواطنة.
لا كرامة لطائفة خارج دولة قوية، ولا حماية حقيقية لأي مكوّن خارج مظلة الشرعية والقانون.
لبنان الذي نطمح إليه ليس لبنان الغلبة، بل لبنان الشراكة. ليس لبنان الاصطفافات الحادة، بل لبنان العقد الوطني المتجدد القائم على سيادة الدولة ووحدة قرارها العسكري والأمني والمالي. فالدولة حين تكون عادلة وقوية تحمي الجميع، وحين تضعف يتضرر الجميع بلا استثناء.
إن مخاطبة اللبنانيين الشيعة اليوم هي دعوة صريحة لاستعادة المبادرة داخل بيئتهم، وفتح نقاش هادئ وعميق حول الأولويات: أهي دولة القانون والمؤسسات، أم استمرار واقع الاستثناء الدائم؟ أهو اندماج كامل في محيط لبنان العربي والدولي، أم بقاء في دائرة العزلة والتوتر؟
لا أحد يطلب من أحد أن يتنكر لتاريخه أو لتضحياته، لكن من حق كل مواطن أن يسأل: إلى أين؟ وما هو الأفق؟ وهل مصلحة الأجيال المقبلة في تثبيت معادلات الأمر الواقع، أم في إعادة بناء دولة طبيعية تحترم الدستور وتحتكر قرار الحرب والسلم؟
إن المستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالخيارات الشجاعة. والشجاعة اليوم ليست في رفع السقوف الخطابية، بل في إعادة وصل ما انقطع داخل الوطن الواحد، وفي الإقرار بأن لا طائفة تختصر لبنان، كما أن لبنان لا يقوم من دون أي طائفة.
اللبنانيون الشيعة ليسوا خصمًا لأحد، بل شركاء كاملون في الإنقاذ إن أرادوا. والدولة التي تحميهم وتحفظ كرامتهم هي نفسها التي تحمي سائر اللبنانيين. الطريق إلى ذلك يبدأ بحوار صريح داخل البيت الواحد، ويتكرّس عبر التزام وطني جامع بأن يكون الانتماء الأول للبنان، وأن تكون مرجعية القرار هي الدولة وحدها.
هكذا فقط نستعيد المعنى الحقيقي للشراكة، ونفتح صفحة جديدة عنوانها: وطنٌ يتّسع للجميع، ولا يُختزل بأحد، انه لبنان الرسالة.