بقلم زكي طه
لم يعد لبنان اليوم في لحظة سجال سياسي أو خلاف حول الخيارات. البلد يقف على حافة الخطر الوجودي. الغارات الإسرائيلية لا تتوقف، الإنذارات تُجبر سكان الجنوب والضاحية الجنوبية للعاصمة وبعض البلدات البقاعية، على مغادرة بيوتهم تحت تهديد الموت، آلاف العائلات تهيم في الطرقات أو تفترش الساحات، والقلق يملأ قلوب اللبنانيين من انزلاق البلد إلى حرب مدمرة شاملة… كل ذلك ليس مجرد تطور أمني عابر، بل تعبير عن لحظة تاريخية خطيرة يواجه فيها لبنان أخطر تهديد لكيانه منذ تاسيسه في صيغته الراهنة.
لبنان الساحة
لقد دُفع البلد لأن يكون اليوم ساحة مفتوحة لحرب إقليمية مدمرة، في وقت تبدو فيه الدولة عاجزة، والمجتمع منقسماً، والقوى السياسية غارقة في حساباتها الضيقة.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن تقال بلا مواربة، الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران والمنطقة دخلت طوراً شديد التدمير.
وفي موازاة ذلك، قرر حزب الله إدخال لبنان مباشرة في هذه الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، متجاهلاً نتائج مغامرة حرب الاسناد، وما ترتب عليها من خسائر فادحة، ضارباً عرض الحائط قرار الحكومة ومصير اللبنانيين جميعاً، بمن فيهم أبناء بيئته الذين يتحملون اليوم العبء الأكبر من القصف والتهجير والخوف والإذلال.
لقد تحوّل لبنان بفعل هذا القرار إلى ساحة مشرعة للحرب، وإلى هدف مباشر للآلة العسكرية الإسرائيلية التي لا تتردد في استغلال كل ذريعة لتوسيع عدوانها وتمهيد الطريق لتنفيذ مشروعها.
علماً أن العدوان الإسرائيلي، رغم وحشيته ووضوح أهدافه، لا يمكن فصله عن الواقع اللبناني الداخلي الذي جعل البلد مكشوفاً وعاجزاً عن حماية نفسه.
فالدولة التي يُفترض أن تكون صاحبة القرار السيادي في الحرب والسلم تبدو اليوم عاجزة عن فرض سلطتها، والقرارات المصيرية تتخذ خارج مؤسساتها، بما فيها قرار الحرب والسلم.
سياسات اللبنانيين
إن ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد نتيجة لحظة عسكرية طارئة، بل هو محصلة طويلة من السياسات والممارسات التي انتهجتها القوى والتيارات السياسية اللبنانية بكل أطيافها وعلى اختلاف مواقعها.
القوى الطائفية التي تقاسمت السلطة لعقود إمتهنت إعادة إنتاج الانقسام الاهلي الذي يأسر المجتمع اللبنانيين، وربطت مصير البلد بمصالحها الفئوية وتحالفاتها الخارجية، فيما تآكلت الدولة وتراجعت قدرتها على حماية المجتمع وإدارة شؤونه.
كل طرف في هذا النظام الطائفي ساهم، بدرجة أو بأخرى، في إيصال لبنان إلى هذا المأزق.
البعض فعل ذلك عبر ربط البلد بمحاور إقليمية وصراعات خارجية، والبعض الآخر عبر إدارة الدولة كغنيمة طائفية ومزرعة مصالح.
النتيجة واحدة
دولة ضعيفة، مجتمع منقسم، وبلد مفتوح أمام التدخلات والحروب الخارجية.
واللبنانيون يدفعون ثمن هذا المسار بأمنهم وبيوتهم وأموالهم ومستقبل أبنائهم.
والأسوأ من الحرب نفسها هو ما تكشفه من انقسام داخلي عميق.
فبينما تُقصف القرى ويُهجّر السكان، ينقسم اللبنانيون في قراءة ما يحدث.
هناك من يرى في حزب الله المسؤول الأول عن إدخال لبنان في هذه الحرب، وهو يرى أن أي اعتراض على خياراته يشكل طعناً في ظهر المقاومة.
والاخطر أنه لا يرى في مشروع إعادة بناء الدولة واستعادة دورها وصلاحياتها خطيئة كبرى فحسب، بل يطالبها بحماية المقاومة التي تحمي البلد! على النحو الذي يبقي لبنان واللبنانيين رهينة مشروعه وسياساته ورهاناته التدميرية.وبين هذين الخطابين يتراجع صوت الدولة، ويغيب الخطاب الوطني الجامع القادر على توحيد اللبنانيين في مواجهة الخطر.
وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم أسرى انقساماتهم القديمة في لحظة يفترض أن تكون لحظة تضامن وطني شامل.
مسؤولية تاريخية
إن أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط الحرب أو الانقسام، بل العجز عن المبادرة.
فالبلد اليوم بحاجة إلى موقف وطني شجاع، إلى مبادرة سياسية واضحة تعيد جمع اللبنانيين حول فكرة الدولة وحول أولوية حماية المجتمع من الانهيار. مدخلاً لاستعادة السيادة وإزالة الاحتلال.
هذه المسؤولية تقع أولاً على عاتق من هم في مواقع المسؤولية الدستورية. وهم المطالبون بتجاوز دور إدارة الأزمة بالحد الأدنى، وإطلاق مبادرة وطنية
واضحة تعيد الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة للقرار السيادي، وتفتح الباب أمام خطاب وطني جامع يطمئن اللبنانيين ويعيد إليهم الثقة بأن بلدهم ما زال قابلاً للحياة.
إن اللبنانيين الذين يعيشون اليوم القلق والخوف والتهجير يحتاجون إلى ما هو أكثر من بيانات أو مواقف متفرقة.
إنهم يحتاجون إلى دولة يشعرون بأنها تقف إلى جانبهم وتحميهم. ولا تتركهم فريسة لمن يعبث بوجودهم أو ضحايا لاطماع العدو الاسرائيلي.
لحظة تاريخية
هذه ليست لحظة تبادل اتهامات. إنها لحظة مصارحة وطنية. لبنان الذي نعرفه مهدد اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن مسؤولية حماية لبنان لا تقع على عاتق طرف واحد، بل على عاتق جميع اللبنانيين وقواهم السياسية والاجتماعية.
المطلوب اليوم قبل أي شيء آخر هو محاصرة الخطر، ومنع تعريض البلد إلى حرب مدمرة لا قدرة له على تحمل نتائجها.
والاهم إعادة الاعتبار لفكرة الدولة باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع وضمان وحدة البلاد. فالدولة ليست شعاراً سياسياً، بل شرط وجود لبنان نفسه.
كي يبقى لنا وطن
لقد اعتاد اللبنانيون أن يعيشوا أزماتهم على إيقاع التسويات المؤقتة والرهانات الخارجية. لكن اللحظة الحالية قد لا تترك مجالاً لمثل هذه الرهانات. فالخطر الذي يواجه لبنان اليوم ليس مجرد أزمة سياسية، بل تهديد حقيقي لكيانه ومستقبله.
ولهذا فإن المطلوب قبل فوات الأوان استعادة الحس الوطني والمسؤولية التاريخية.
لبنان اليوم أمام لحظة الحقيقة.
إما أن ينجح اللبنانيون في إعادة بناء دولتهم واستعادة قرارهم الوطني، وإما أن يستمروا في الدوران داخل طاحونة الانقسامات والحروب حتى يضيع البلد نهائياً.
إنها صرخة لا بد من إطلاقها بوضوح: أنقذوا لبنان… كي يبقى لنا وطن.