خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة وجدت نفسها فجأة أمام تحدٍ إنساني واجتماعي يفوق قدرتها الطبيعية على الاستيعاب.
بيروت اليوم مدينة مكتظة إلى حد غير مسبوق. المدارس، القاعات، وبعض المرافق العامة تحولت بسرعة إلى مراكز إيواء مؤقتة لاستقبال العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها تحت ضغط الخطر. هذا التحول السريع كان نتيجة ظرف طارئ فرض نفسه خلال ساعات، ما جعل عملية التنظيم والتنسيق صعبة ومعقدة في مدينة محدودة المساحة والإمكانات.
في الشوارع، يلمس الجميع حجم الضغط الذي تعيشه العاصمة. ازدحام خانق، حركة سيارات كثيفة، وأحياء تشهد كثافة سكانية غير معتادة. فالعائلات التي وصلت إلى بيروت جاءت بما استطاعت حمله في لحظات قلق وخوف، فيما تحاول المدينة بكل طاقتها أن تتكيف مع هذا الواقع الجديد.
المشكلة لا تكمن في الإرادة الإنسانية، فبيروت عُرفت دائماً بقدرتها على احتضان من يلجأ إليها في أوقات الشدة. لكن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في حجم الضغط المفاجئ على مدينة تعاني أصلاً من ضعف في الخدمات والبنية التحتية.
فمع ازدياد أعداد النازحين، يزداد الضغط على كل شيء: الطرقات، الكهرباء، المياه، إدارة النفايات، وحتى المساحات العامة. كما أن تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين من “غذاء ودواء وخدمات يومية” يتطلب جهداً كبيراً وتعاوناً واسعاً بين الدولة والبلديات والمؤسسات الإنسانية والمجتمع المدني.
أمام هذا الواقع، يشعر كثير من أبناء بيروت بقلق مشروع حول قدرتهم وقدرة مدينتهم على تحمّل هذا العبء لفترة طويلة. فالعاصمة التي تعيش منذ سنوات أزمة اقتصادية عميقة، تحاول اليوم أن توازن بين واجبها الإنساني تجاه النازحين وبين الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في حياة سكانها.
ومع تزايد الكثافة السكانية خلال فترة قصيرة جداً، تبدو بيروت وكأنها تعيش حالة ضغط غير مسبوقة. ليس لأن أهلها يرفضون مساعدة إخوتهم، بل لأن حجم الأزمة جاء مفاجئاً وسريعاً إلى درجة وضعت المدينة أمام واقع صعب يحتاج إلى إدارة دقيقة وتضامن واسع.
إن ما تعيشه بيروت اليوم هو صورة مكثفة عن معاناة بلد بأكمله يواجه تداعيات العدوان والظروف القاسية. لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب قدراً كبيراً من التنظيم والتعاون، سواء في إدارة مراكز الإيواء أو في توزيع الأعباء بين المناطق، بما يخفف الضغط عن العاصمة ويحافظ في الوقت نفسه على كرامة النازحين واحتياجاتهم الإنسانية.
بيروت، رغم كل ما تمر به، لا تزال تحاول أن تحتضن أبناء بلدها الهاربين من الخطر. لكن الحقيقة الواضحة أن مدينة بهذا الحجم وهذه الإمكانات المحدودة لا يمكنها أن تتحمل وحدها أعباء أزمة بهذا الحجم.
ولهذا، فإن التضامن الوطني الواسع، وتنظيم الجهود بشكل أفضل، باتا ضرورة ملحة في هذه المرحلة. فالعاصمة اليوم تعيش ضغطاً هائلاً، وإذا لم تتم معالجة هذا الواقع بحكمة وسرعة، فقد تتحول بيروت “بكل ما تحمله من تعب وصمود” إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.