#الخليج بين منطق الدولة ومنطق و #الميليشيا : سقوط فزاعة الصواريخ وصعود نموذج الردع الرشيد

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@MirazJundi

لم يعد ممكناً قراءة المشهد الإقليمي بعين الدعاية القديمة التي روّج لها نظام الملالي في إيران، والقائمة على تصدير الأزمات وبناء النفوذ عبر شبكات الوكلاء والصواريخ البالستية والمسيّرات. فالتجربة العملية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن استراتيجية “الردع بالفوضى” اصطدمت بواقع عربي مختلف، أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على تحويل التهديد إلى فرصة لإعادة بناء منظومات الدفاع والسيادة.

أولاً: سقوط فزاعة الصواريخ

لقد بُني جزء كبير من النفوذ الإيراني الإقليمي على صورة ذهنية مفادها أن الصواريخ والمسيّرات قادرة على إخضاع الدول وفرض توازنات سياسية بالقوة. غير أن استهداف الإمارات العربية المتحدة مثّل اختباراً حقيقياً لهذه السردية. فما جرى لم يكن “رسالة عابرة”، بل كان محاولة ضغط عسكري مباشر على دولة مدنية منفتحة، نجحت “عبر منظومة دفاع متطورة” في إحباط القسم الأكبر من الهجمات وحماية بنيتها التحتية ومجتمعها واقتصادها.

هنا سقطت الفزاعة: فالدول التي اختارت الاستثمار في التكنولوجيا والدفاع النوعي، لا في الميليشيات والشعارات، أثبتت أن الردع ليس حكراً على من يطلق الصواريخ، بل على من يمتلك القدرة المؤسسية على كشفها واعتراضها وإبطال أثرها.

ثانياً: من “الدولة المسالمة” إلى “الدولة القادرة”

صحيح أن دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ليست دولاً توسعية ولا تبني عقيدتها على تصدير الأيديولوجيا، لكنها في المقابل لم تترك أمنها رهينة حسن النيات.

فقد اعتمدت هذه الدول مقاربة مزدوجة: شراكات دفاعية استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية، ضمن عقود تسليح ونقل تكنولوجيا وتدريب متقدم. تطوير صناعات دفاعية محلية تعزز الاستقلالية وتراكم الخبرات الوطنية. تكامل أمني إقليمي ضمن إطار مجلس التعاون.

النتيجة كانت واضحة: القدرة على صد الهجمات بنسبة مرتفعة، حماية المجال الجوي، واستمرار النشاط الاقتصادي بلا اهتزاز جوهري. وهذا بحد ذاته انتصار استراتيجي؛ لأن الهدف من أي هجوم صاروخي ليس التدمير المادي فقط، بل ضرب الثقة والاستقرار.

ثالثاً: الردع الذكي مقابل الفوضى المنظمة

المقارنة هنا ليست عسكرية فحسب، بل فلسفية أيضاً. في نموذج طهران، تُستثمر الموارد في توسيع نفوذ عابر للحدود عبر جماعات مسلحة.

أما في النموذج الخليجي، فتُستثمر الفوائض النفطية في تنويع الاقتصاد، واستقطاب رؤوس الأموال، وبناء بيئة أعمال عالمية.

عندما تتعرض دولة كهذه لهجوم صاروخي وتنجح في إفشاله، فإنها لا تدافع عن أرضها فحسب، بل تدافع عن نموذج اقتصادي-سياسي قائم على الاستقرار والتنمية.

رابعاً: درع الخليج… من التنسيق إلى العقيدة المشتركة

التجربة الإماراتية والسعودية تقدّم درساً عملياً لبقية الدول العربية، إن تعزيز منظومة الدفاع المشترك، سواء عبر تطوير مفهوم “درع الجزيرة” أو عبر تحديث آليات التعاون الدفاعي بين دول مجلس التعاون الخليجي، لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية.

التكامل في أنظمة الرادار، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، يخلق مظلة إقليمية تجعل أي مغامرة عسكرية مكلفة وغير مجدية. وهذا هو جوهر الردع: منع الحرب قبل وقوعها.

خامساً: الدرس الأوسع للعالم العربي

إن ما جرى يثبت أن زمن الابتزاز بالصواريخ قد انتهى عندما تواجهه دولة مؤسسات، واقتصاد قوي، وتحالفات واضحة.

وهو أيضاً رسالة إلى بقية الدول العربية التي تعاني من سلاح خارج إطار الدولة: لا سيادة بلا احتكار شرعي للقوة، ولا استقرار بلا منظومة دفاع وطنية حديثة. لقد فشل مشروع التخويف، ونجح مشروع الدولة.

الفرق بين النموذجين ليس في عدد الصواريخ، بل في طبيعة النظام السياسي، هل هو نظام يعيش على الأزمات، أم دولة تبني مستقبلها على الاستقرار والتنمية؟

الخليج العربي قدّم جواباً عملياً. والمرحلة المقبلة تقتضي تعميق هذا المسار، عربياً، عبر شراكات دفاعية أكثر تكاملاً، ورؤية استراتيجية تجعل الأمن القومي العربي شبكة واحدة لا جزرًا منفصلة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com