نظرية الحصان الميت

بقلم د. عادل العوفي

إنها مرحلة تعصف بالفرد أو الجماعة، حيث يقعون في شباك نكران تام، فيصبح من المستحيل إقناعهم بأن الحصان قد فارق الحياة. فيما يواصلون شراء السروج، ويتابعون سباقات الخيول بشغف، وينظمون الاجتماعات حول كيفية تعزيز قدرات الحصان، ويغوصون في البحث عن التمارين والأطعمة المناسبة لتحسين عضلاته. كما يروجون لمواصفاته البارزة، ويحتفون بألوانه المتألقة، ويفتخرون بسلالته النادرة. إلا أن الحقيقة الأليمة تظل قائمة: الحصان قد قضى نحبه، ولم يعد له وجود في عالم الحياة.

ينطبق هذا الأمر على الانتماءات السياسية التي، في الحقيقة، لم تُحقق أي إنجازات ملموسة على الأرض، ما جعل الناس يشعرون بالضجر والملل من تكرار شعاراتها القديمة التي تبتعد عن الواقع، ولا تلبي متطلبات المرحلة الراهنة. لقد أدّى الجمود الفكري الذي أصاب هذه التيارات وغياب التقييم الذاتي إلى ظهور أصنام تُعبَد دون تفكير، تُعتبر من المقدسات، ويُستبعد عنها أي نسب للخطأ. هنا، تُستبدل الحقائق الواضحة بالباحثين عن تبريرات معقدة، ويعتاد الجميع على الهروب من مسؤولية فهم الواقع وقبوله كما هو.

إن الاستمرار في اعتبار أن الحصان لا يزال على قيد الحياة هو سلوك عبثي بامتياز، يحوي الكثير من إهدار الطاقات في مشاريع محكوم عليها بالفشل. إنه استراتيجية تعبر عن فشل مستمر وإصرار على استمرار النتائج السلبية.

فالذهنية التي ترفض الاعتراف بأن الحصان قد وافته المنية لا يمكن أن تصلح لأي حوار مثمر أو نتائج إيجابية. كما أنه يستحيل إقناعهم بأن هذا الحصان قد فارق الحياة وتحللت عظامه. وهذا الأمر ينطبق أيضًا على الجوانب الاقتصادية والمشاريع والمؤسسات التي تستنزف الجهود والموارد، والتي تتكبد خسائر متكررة، وتبدو عملية إنقاذها مستحيلة في الأمدين القريب والبعيد. لذا، يجب أن نتجه نحو خلق بدائل واعدة، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال اقتناع كامل بموت الحصان.

الخلاصة المستنبطة من هذه النظرية الساخرة هي الفرضية المنطقية التي تدعو إلى الترجل من صهوة هذا الحصان الفاني، والسعي نحو إيجاد أحصنة تتسم بالجودة العالية والقدرة الفائقة على التنافس، لتفوز بمراكز الصدارة في ميادين السياسة وعالم الاقتصاد ومؤسساته الراسخة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com