#النساء ضحايا الحروب : قراءة قانونية في الجرائم المرتكبة بحق النساء في #سوريا و #غزة و #لبنان في ضوء القانون الدولي

اليوم العالمي للمرأة بين الاحتفاء والواقع المأساوي للحروب

#اليوم_العالمي_للمرأة بين الاحتفاء والواقع المأساوي للحروب
@dr_tarakji
بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت

في الثامن من مارس من كل عام يحتفي العالم باليوم العالمي للمرأة باعتباره مناسبة للتذكير بدور النساء في بناء المجتمعات وتعزيز قيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. غير أن هذا اليوم يكتسب في مناطق النزاعات المسلحة معنى مختلفاً تماماً، إذ يتحول إلى لحظة لتذكّر الثمن الإنساني الباهظ الذي تدفعه النساء نتيجة الحروب والصراعات.

ففي العديد من مناطق العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط، لم تكن النساء مجرد شاهدات على الحروب، بل كنّ من أبرز ضحاياها. فبين القصف والاعتقال والتعذيب والنزوح القسري، تجد آلاف النساء أنفسهن في قلب مآسٍ إنسانية لم يخترنها ولم يكن لهن دور في إشعالها. وهكذا يتحول الحديث عن تكريم المرأة في مثل هذه الظروف إلى دعوة أخلاقية وقانونية لتسليط الضوء على الجرائم التي ارتكبت بحقها في مناطق النزاع.

النساء في سوريا: ضحايا القتل والتعذيب والإخفاء القسري

تشير تقارير حقوقية موثقة إلى أن قوات النظام السوري الأسدي البائد قتلت 25126 امرأة خلال أربعة عشر عاماً من الثورة السورية، من بينهن 1023 امرأة قضين تحت التعذيب في السجون، إضافة إلى 8641 امرأة ما زلن ضمن حالات الإخفاء القسري.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد إحصاءات، بل تمثل مأساة إنسانية واسعة النطاق ارتبطت بنمط ممنهج من الانتهاكات التي طالت النساء في سياق النزاع السوري. فقد تعرضت آلاف النساء للاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، إضافة إلى حالات الاختفاء القسري التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.

لقد دفعت النساء السوريات ثمناً باهظاً في حرب لم يخترنها. فقدت آلاف الأمهات والبنات حياتهن نتيجة القصف العشوائي واستهداف المناطق السكنية، فيما تعرضت أخريات للاعتقال أو التعذيب أو الإخفاء القسري، بينما ما تزال آلاف العائلات السورية تعيش حتى اليوم في حالة من القلق المستمر بسبب جهلها بمصير بناتها اللواتي اختفين في السجون ومراكز الاحتجاز.

جرائم الميليشيات المتطرفة بحق النساء من مختلف المكونات السورية

لم تقتصر الانتهاكات بحق النساء في سوريا على طرف واحد من أطراف النزاع. فقد ارتكبت أيضاً بعض الميليشيات المتطرفة والجماعات المسلحة ذات الطابع الطائفي جرائم جسيمة بحق النساء من مختلف المكونات السورية، سواء من العرب أو الكرد أو الآشوريين أو غيرهم، ومن مختلف الطوائف والمذاهب.

وقد شملت هذه الجرائم عمليات قتل وخطف واعتداءات جسيمة استهدفت مدنيين على خلفيات طائفية أو سياسية، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني. إن هذه الجرائم، أياً كان مرتكبوها، تبقى جرائم مدانة قانونياً وأخلاقياً، لأن الضحية تظل ضحية بغض النظر عن انتمائها الديني أو القومي.

فالموقف الأخلاقي والإنساني من الجرائم يجب أن يكون موقفاً واحداً لا يتجزأ، يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن حماية المدنيين، وخاصة النساء، واجب قانوني وأخلاقي لا يجوز التهاون فيه تحت أي ذريعة.

النساء في غزة: ضحايا القصف والحرب المدمرة

في سياق المآسي التي تعيشها نساء المنطقة، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلية أيضاً آلاف النساء الفلسطينيات خلال الحرب على قطاع غزة، نتيجة القصف المكثف الذي استهدف الأحياء السكنية المكتظة بالسكان إضافة إلى المستشفيات ومراكز الإيواء.

وقد وجدت آلاف النساء أنفسهن ضحايا حرب مدمرة، سقط بعضهن تحت الأنقاض نتيجة القصف المباشر، بينما فقدت أخريات أبناءهن وأسرهن ومنازلهن. إن هذه الخسائر البشرية الكبيرة بين المدنيين، ولا سيما النساء والأطفال، تطرح تساؤلات قانونية وإنسانية عميقة حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني التي تلزم أطراف النزاع بحماية السكان المدنيين.

النساء في لبنان: النزوح والخوف تحت وطأة الحرب

أما في لبنان، فقد دفعت النساء أيضاً ثمناً كبيراً نتيجة التصعيد العسكري والحروب المتكررة التي شهدتها البلاد. فالقصف المتبادل واستهداف المناطق الحدودية والبنى المدنية أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين بينهم نساء، إضافة إلى موجات نزوح واسعة أثرت بشكل مباشر على النساء والأطفال.

وفي مثل هذه الظروف، تتحمل النساء غالباً أعباء إنسانية مضاعفة، سواء بسبب فقدان المعيل أو النزوح القسري أو انهيار الخدمات الأساسية. وهكذا تتحول الحرب بالنسبة للنساء إلى معاناة يومية تتجاوز حدود الخسائر المباشرة لتطال حياتهن الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.

القانون الدولي وحماية النساء في النزاعات المسلحة

إن استهداف المدنيين في النزاعات المسلحة يشكل انتهاكاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني. فقد نصت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها على ضرورة حماية السكان المدنيين، ومن بينهم النساء، ومنع استهدافهم أو تعريضهم لأعمال العنف.

كما تنص المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف على حظر القتل والتعذيب والمعاملة القاسية والمهينة بحق الأشخاص غير المشاركين في الأعمال العدائية.

ومن ناحية أخرى، أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 في مادته الثالثة أن لكل إنسان الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه، بينما نصت المادة الخامسة على أنه لا يجوز إخضاع أي إنسان للتعذيب أو للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

نظام روما الأساسي ومسؤولية المحاسبة الدولية

يشكل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 أحد أهم الأدوات القانونية الدولية لمحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة. فقد نصت المادة السابعة من النظام على أن القتل والاختفاء القسري والتعذيب عندما ترتكب بشكل واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين تعد جرائم ضد الإنسانية.

كما نصت المادة الثامنة من النظام ذاته على أن استهداف المدنيين أو شن هجمات عسكرية مع العلم بأنها ستسبب خسائر مفرطة في صفوف المدنيين يشكل جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

هذه النصوص القانونية تعني أن الجرائم المرتكبة بحق النساء في سياق النزاعات المسلحة لا يمكن اعتبارها مجرد آثار جانبية للحرب، بل قد تشكل جرائم خطيرة تقع ضمن اختصاص القضاء الدولي.

النساء بين العدالة المؤجلة ومسؤولية المجتمع الدولي

في اليوم العالمي للمرأة، لا يمكن أن يكتمل الحديث عن التكريم والاحتفال دون استحضار معاناة النساء اللواتي فقدن حياتهن أو كرامتهن نتيجة الحروب والصراعات المسلحة.

فبين سجون التعذيب في سوريا، وأنقاض المنازل في غزة، ومناطق النزوح في لبنان، تتكرر المأساة ذاتها: نساء يدفعن ثمن صراعات لم يخترنها ولم يكن لهن دور في إشعالها.

إن العدالة والكرامة الإنسانية ليستا مجرد شعارات أخلاقية، بل هما التزام قانوني وأخلاقي يجب أن يُدافع عنه في كل مكان. ولذلك فإن حماية النساء في النزاعات المسلحة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحقهن، تبقى مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، إذا أراد العالم فعلاً أن يجعل من اليوم العالمي للمرأة يوماً حقيقياً للدفاع عن الكرامة الإنسانية.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com