شبعنا انتصارات وهمية

بقلم جاد الأخوي

إلى أهلنا في لبنان، إلى الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، إلى الآباء الذين يخافون على مستقبل أولادهم، إلى الشباب الذين كبروا وهم يسمعون كلمة الحرب أكثر مما سمعوا كلمة الحياة…

أكتب هذه الكلمات لأن الصمت لم يعد ممكناً، ولأن الحقيقة التي نعيشها كلبنانيين كل يوم لم تعد تشبه الرواية التي تُقال لنا بعد كل حرب. لقد تعبنا من الحروب التي لا تنتهي، وتعبنا أكثر من الكلمات الكبيرة التي تُقال بعدها، وكأنها قادرة أن تمحو الألم الذي نعيشه.

لقد قيل لنا مرة جديدة بعد “إسناد غزة”إن ما جرى هو “إسناد لايران”، وإن لبنان يجب أن يكون جزءاً من هذه المعركة. وقيل لنا إن هذا الطريق هو طريق الكرامة والعزة والانتصار. لكننا نسأل اليوم، بصدق وألم: ماذا بقي من لبنان بعد كل هذا الإسناد؟ ومن أسند لبنان عندما تحولت قراه ومدنه إلى ساحات نار؟

لقد رأينا بأعيننا القرى التي تهدمت في الجنوب، والبيوت التي احترقت، والحقول التي تُركت خلف أصحابها. رأينا العائلات التي خرجت على عجل من بيوتها، تحمل ما استطاعت من ذكريات وصور وملابس، وتترك خلفها حياة كاملة لا تعرف إن كانت ستعود إليها يوماً.

رأينا الأطفال الذين لم يفهموا لماذا أصبح بيتهم فجأة في مكان آخر، ولماذا صار عليهم أن يناموا في غرف ضيقة أو مدارس أو بيوت مستعارة. رأينا الأمهات اللواتي يحاولن إخفاء خوفهن كي لا يراه أولادهن، والآباء الذين يقفون عاجزين أمام سؤال بسيط: متى نعود إلى بيتنا؟

وفي كل مرة، يُطلب منا أن نصدق الرواية نفسها: أننا انتصرنا.

لكن الحقيقة التي نعرفها مختلفة تماماً.

الحقيقة أننا نعود بعد كل حرب لنحصي الركام.

نبحث بين الحجارة عن أبواب بيوتنا ونوافذها.

نفتش عن الصور القديمة التي كانت معلقة على الجدران.

نحاول أن نتذكر كيف كانت حياتنا قبل أن تتحول إلى هذا الخراب.

وفي كل مرة أيضاً، ندفن ضحايانا.

نشيّع أبناءنا وأصدقاءنا وجيراننا.

نقف بصمت أمام القبور الطازجة، بينما تُرفع فوقها كلمات كبيرة عن البطولة والانتصار.

لكن أي انتصار هذا الذي يبدأ بالنعوش؟

وأي انتصار هذا الذي يُقاس بعدد القبور الجديدة؟

وأي انتصار هذا الذي يترك الأمهات واقفات على أبواب البيوت المهدّمة ينتظرن أبناءً لن يعودوا؟

لقد شبعنا من الانتصارات الوهمية.

شبعنا من تحويل الهزائم إلى قصص بطولة.

وشبعنا من تحويل الخسارات إلى خطابات حماسية.

وشبعنا أكثر من أن يُطلب منا بعد كل كارثة أن نصفق.

فالحقيقة التي يعرفها الناس في الجنوب والضاحية والبقاع ليست تلك التي تُقال على المنابر.

الحقيقة أن الناس فقدوا بيوتهم.

والحقيقة أن آلاف العائلات نزحت من أرضها وربما لن تعود اليها.

والحقيقة أن اقتصاد بلدنا، المنهك أصلاً، تلقى ضربة جديدة تزيد معاناتنا.

الحقيقة أيضاً أن كثيراً من الشباب باتوا مقتنعين أكثر من أي وقت مضى بأن مستقبلهم ليس هنا، بل في بلد آخر بعيدا عن الحروب والخوف والدمار.

وهنا يكمن الألم الأكبر.

فلبنان الذي كان يوماً بلداً للحياة والفرص والأمل، أصبح في نظر كثير من أبنائه مكاناً مؤقتاً… مكاناً يعيشون فيه إلى أن يجدوا فرصة للهجرة.

ولعل السؤال الأكثر قسوة الذي نطرحه اليوم هو: لماذا يجب أن يبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين؟

لماذا يجب أن تتحول أرضنا إلى منصة لإرسال الرسائل العسكرية والسياسية؟

ولماذا يجب أن ندفع كشعب ثمن صراعات إقليمية لا نملك قرارها؟

لقد قيل إن هذه الحرب هي جزء من معركة أكبر تقودها إيران في المنطقة. لكننا نسأل: لماذا يجب أن يكون لبنان دائماً في قلب هذه المعارك؟

لماذا يجب أن يكون الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لكل صراع؟

ولماذا يجب أن يعيش أهله دائماً على خط النار؟

إننا لسنا أعداءا لأحد.

ولا نريد أن يكون بلدنا ساحة حرب دائمة.

ما نريده في هذا البلد بسيط جداً.

نريد أن نعيش بسلام.

نريد أن نربي أولادنا في مدارسهم.

نريد أن نزرع أرضنا ونعمل في مؤسساتنا.

ونريد أن يكبر أبناؤنا في وطن لا يخافون فيه من الغد.

لكن هذا الحلم البسيط أصبح يبدو بعيداً كلما تكررت الحروب، وكلما استمر تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة.

لقد تعبنا من العيش على حافة الخوف.

تعبنا من أن ننام كل ليلة ونحن لا تعرف إن كنا سنستيقظ على خبر قصف جديد أو حرب جديدة.

وتعبنا أكثر من أن يُطلب منا بعد كل هذا الألم أن نصدق أنهم انتصروا.

فالانتصار الحقيقي لا يكون عندما نخسر بيوتنا.

ولا يكون عندما يهاجر شبابنا.

ولا يكون عندما يعيش شعب كامل على المساعدات بعد أن خسر كل شيء.

الانتصار الحقيقي هو أن نعيش في بلدنا بكرامة.

أن نثق أن أبناءنا لن يضطروا يوماً إلى الهرب من بيوتهم.

أن نعرف أن قرار الحرب والسلم في بلدنا ليس لعبة في أيدي الآخرين.

لبنان لا يحتاج إلى انتصارات وهمية.

لبنان يحتاج إلى دولة قوية تحمينا.

يحتاج إلى قرار وطني واحد لا يجرّ البلد إلى مغامرات لا نستطيع تحمل نتائجها.

لقد آن الأوان لأن نقول الحقيقة كما هي.

لقد شبعنا انتصارات وهمية.

شبعنا تحويل الهزائم إلى انتصارات.

وشبعنا أن ندفن ضحايانا، ثم يُطلب منا أن نصفق.

لبنان يستحق حياة أفضل من هذه الدوامة التي لا تنتهي.

يستحق مستقبلاً لا يُكتب بالدم والركام، بل بالسلام والعمل والأمل.

سؤال لا يفارق ذهني وهو إذا كل هؤلاء الضحايا ، والخسائر، والدمار، والتهجير، والقرى الغير قابلة للعيش، كل ذلك يشكل انتصاراً إذا ما هي الخسارة؟ هل يمكن توصيفها؟

الانتصار الحقيقي للبنان لن يكون في خطاب يُقال بعد الحرب، بل في يوم نستيقظ فيه ونحن واثقون أن أبناءنا لن يضطروا بعد اليوم إلى حمل حقائب النزوح، أو الوقوف مرة أخرى أمام قبور أحبائهم.

ذلك اليوم فقط… يمكننا أن نقول إننا انتصرنا حقاً.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com