هل يتجه #لبنان نحو #الفصل_السابع : سقوط الرهان على الحل الداخلي؟

بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

يقف لبنان اليوم أمام مرحلة شديدة الخطورة من تاريخه السياسي، حيث تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل غير مسبوق، فيما تتراجع قدرة الدولة على إدارة شؤونها أو فرض سلطتها على كامل أراضيها. وفي ظل هذا الواقع المتدهور، يتزايد الحديث في الأوساط السياسية والدبلوماسية عن احتمال انتقال الملف اللبناني إلى مرحلة جديدة من التعاطي الدولي قد تصل إلى وضعه تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إن ما يعيشه لبنان اليوم يعكس صورة دولة تعاني من ضعف مؤسساتها وتراجع فعاليتها في ظل انقسامات سياسية عميقة وعجز واضح عن اتخاذ قرارات حاسمة تعيد للدولة هيبتها. فقد فشلت الحكومات المتعاقبة في تنفيذ معظم القرارات التي أعلنتها، كما غابت الرؤية الواضحة لمعالجة الأزمات المالية والإدارية التي تضرب البلاد منذ سنوات، الأمر الذي ساهم في تعميق حالة فقدان الثقة الداخلية والخارجية بمؤسسات الحكم.

وزاد من تعقيد المشهد السياسي قرار مجلس النواب اللبناني تمديد ولايته لنفسه لمدة سنتين إضافيتين، وهو قرار أثار انتقادات واسعة واعتبره كثيرون دليلاً إضافياً على الأزمة العميقة التي يعيشها النظام السياسي، وعلى تراجع ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات الدستورية على تجديد نفسها عبر الآليات الديمقراطية الطبيعية.

وفي موازاة هذا التعثر السياسي، تتعرض مؤسسات الدولة القضائية والعسكرية لانتقادات متزايدة، خصوصاً فيما يتعلق بملفات السلاح غير الشرعي. إذ يرى منتقدون أن المحكمة العسكرية لم تُظهر الحزم المطلوب في بعض القضايا المرتبطة بعناصر مسلحة، حيث جرى في حالات عدة إخلاء سبيل متهمين مقابل غرامات اعتبرها كثيرون رمزية قياساً بخطورة الملفات المطروحة فيما تعالج أمور اخرى بكيدية غير مسبوقة كقضية فضل شاكر والسجناء المسلميين من ابناء الشمال وصيدا .

أما على المستوى الدولي، فتبدو الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على معالجة أزماتها من الداخل آخذة في التراجع. وفي الولايات المتحدة، وخصوصاً خلال مرحلة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ظهرت مواقف سياسية تتحدث عن عدم رضا واضح عن أداء قيادة الجيش اللبناني في إدارة بعض الملفات الحساسة، ووصل الأمر في بعض الطروحات السياسية إلى حد المطالبة بإقالة قائد الجيش كجزء من مقاربة جديدة للتعامل مع الوضع الأمني في لبنان.

وتأتي هذه المواقف في سياق أوسع من القلق الدولي المتزايد حيال النفوذ المتنامي لـ”حزب الله” داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. إذ يرى عدد من المراقبين أن هذا النفوذ لم يعد يقتصر على المجال السياسي أو العسكري، بل امتد إلى مفاصل متعددة في الدولة، من الإدارات العامة إلى المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، مروراً بالمجالس النيابية والبلدية، إضافة إلى قطاعات التعليم والصحة والخدمات.

هذا التمدد الواسع جعل مسألة ضبط السلاح المتفلت أو وضعه تحت سلطة الدولة أمراً بالغ الصعوبة، وأثار شكوكاً متزايدة لدى بعض الدول المؤثرة حول قدرة النظام السياسي اللبناني على معالجة هذه المسألة من الداخل.

وفي موازاة الأزمة السياسية والأمنية، يواجه لبنان أزمة إنسانية واجتماعية متفاقمة تتمثل في ملف النزوح الداخلي الناتج عن التوترات الأمنية المستمرة مع إسرائيل. فقد أدت المواجهات والضغوط الأمنية في مناطق الجنوب إلى نزوح أعداد كبيرة من المواطنين من قراهم وبلداتهم، كما شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت موجات نزوح نتيجة التوترات والضربات الأمنية التي طالت المنطقة في مراحل مختلفة.

هذا النزوح الداخلي يضع ضغوطاً إضافية على الدولة اللبنانية التي تعاني أصلاً من ضعف شديد في الموارد والإمكانات. ومع غياب خطة حكومية واضحة لمعالجة هذه الأزمة وتأمين عودة آمنة ومستقرة للنازحين إلى مناطقهم، تتفاقم الأعباء الاجتماعية والاقتصادية، وتزداد حالة الاحتقان داخل المجتمع اللبناني.

ويحذر عدد من المراقبين من أن استمرار أزمة النزوح الداخلي من الجنوب والضاحية دون معالجة جدية قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي وأمني، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية الكبيرة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وفي ظل هذا المناخ المتوتر، قد تتحول أي شرارة سياسية أو أمنية إلى عامل تفجير داخلي يهدد الاستقرار الهش، وربما يفتح الباب أمام صراعات داخلية خطيرة قد تعيد البلاد إلى مشاهد الانقسام التي عاشها في مراحل سابقة.

في ظل هذه المعطيات، يجد لبنان نفسه أمام واقع صعب يتمثل في تراجع دور الدولة وفشلها في بسط سيادتها الكاملة على أراضيها. وهذا الواقع يدفع بعض القوى الدولية إلى التفكير في خيارات أكثر تشدداً، من بينها اللجوء إلى الفصل السابع الذي يتيح لمجلس الأمن في الأمم المتحدة اتخاذ إجراءات استثنائية عندما يعتبر أن هناك تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

إن اللجوء إلى هذا المسار يعني عملياً انتقال جزء من إدارة الأزمة اللبنانية إلى مستوى دولي، عبر إجراءات قد تشمل فرض قرارات ملزمة أو توسيع دور القوات الدولية أو فرض آليات رقابة وإدارة خارجية لبعض الملفات الأساسية في الدولة.

غير أن هذا السيناريو، إذا حصل، لن يكون خالياً من المخاطر والتداعيات. فلبنان بلد يقوم على توازنات دقيقة وحساسيات طائفية وسياسية معقدة، وأي تدخل دولي واسع قد يفتح الباب أمام توترات داخلية أو صراعات سياسية حادة.

كما أن موقع لبنان في قلب الصراعات الإقليمية يجعله عرضة لتداعيات إضافية، خصوصاً في ظل التوتر المستمر مع إسرائيل وما يرافقه من تهديدات أمنية متكررة، الأمر الذي قد يزيد من تعقيد المشهد في حال دخول البلاد مرحلة تدويل الأزمة.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح المواطن اللبناني الضحية الأولى لمنظومة أزمات متشابكة, فساد مزمن داخل مؤسسات الدولة، انهيار اقتصادي غير مسبوق، توترات أمنية متكررة، وأزمات اجتماعية متفاقمة، إضافة إلى الخوف المتزايد من تحولات سياسية قد تغير طبيعة النظام القائم.

إن إخراج لبنان من هذه الدوامة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس واضحة من الشفافية والمسؤولية، واستعادة القرار الوطني القادر على حماية السيادة وإعادة الثقة الداخلية والخارجية بلبنان.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يستطيع لبنان إنقاذ نفسه قبل أن تفرض عليه الحلول من الخارج، أم أن مسار التدويل أصبح أقرب من أي وقت مضى؟
سؤال بات يختصر قلق اللبنانيين على مستقبل بلد يقف اليوم على مفترق طرق مصيري قد يحدد مصيره لسنوات طويلة قادمة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com