“نوائب إيران” في البرلمان اللبناني : الولاء لطهران وغياب للمسؤولية الوطنية
خاص بوابة بيروت

رئيس التحرير
عند انتهاء كل حرب، يعيد الناخبون الشيعة اكتشاف حقيقة مؤلمة متجددة، وهي أنه لا يوجد في مجلس النواب من يمثلهم حقًا، بل نواب يمثلون إيران في البرلمان اللبناني. هؤلاء النواب لا يخفون انتماءهم السياسي لمشروع إقليمي، ولا يترددون في ربط مصير البلاد بقرارات تُتخذ خارج حدودها.
في اللحظات التي يكون فيها الناخب الشيعي بأمسّ الحاجة إلى “نوائبه”، يختفي هؤلاء خلف الجدران السميكة والخطابات التعبوية. النازحون على الطرقات، والعائلات التي اضطرت للنوم في العراء أو في مراكز الإيواء المكتظة، لم يجدوا نوابهم إلى جانبهم. لم تُفتح أمامهم القصور السياسية، ولم تُقدَّم لهم حلول حقيقية. تُركوا لمصيرهم، فيما أصحاب الخطابات الكبرى آثروا الصمت أو الاختباء، بانتظار أن تهدأ النيران.
لكن التجربة اللبنانية علمتنا أن المشهد لا يتوقف عند هذا الحد. فعندما تنتهي الحرب، سيعود هؤلاء النواب أنفسهم إلى المنابر، يحملون خطابات مملوءة بالبطولات والوعود. سيخرجون مجددًا إلى الساحات، يروون قصص “الصمود”، ويوزعون كلمات العزاء والوعود الفارغة، على قاعدة أن “ذاكرة العوام ثلاثة أيام”.
ما ينتظر اللبنانيين حينها ليس خطة إعمار واضحة، ولا سياسة إنقاذ وطنية، بل ما اعتادوه منذ سنوات، شيكات بلا رصيد. وعود بإسكان وتعويضات، تتحول في الواقع إلى وعود دعائية لا أكثر. المواطن العادي سيُترك ليعيد بناء حياته وحده، بينما تدور في الكواليس صفقات النفوذ والغنائم.
أما الحاشية المحيطة بهذه المنظومة، فهي أول من سيجني الثمار. يستفيد المقربون، وتُفتح أمامهم أبواب الامتيازات والموارد، فيما يقال للناس إن “المعركة مستمرة” وإن التضحية مطلوبة. هكذا تُدار الأزمات، الشعب يدفع التكلفة، والنخب الموالية تحصد المكاسب.
المفارقة أن الدولة التي يُفترض أنها الراعي الأساسي لهذا المحور، أي إيران، تواجه بدورها أعباء هائلة. فالحروب لا تنتهي مع وقف النار، بل تبدأ بعدها مرحلة إعادة الإعمار، وهي مرحلة مكلفة سياسياً واقتصادياً. وفي ظل الضغوط والعقوبات والأزمات الداخلية، سوف تجد طهران نفسها غارقة في ترميم ما تهدم، قبل أن تستطيع تمويل مشاريع نفوذ جديدة.
وهنا تتجلّى الحقيقة الأكثر قسوة، لبنان سيبقى وحيدًا مرة أخرى. بلد صغير أنهكته الحروب والتجاذبات، ينتظر دعمًا لا يأتي، وإصلاحات لا تُنفَّذ، واستقرارًا لا يثبت طويلًا. سيجد اللبنانيون أنفسهم مجددًا أمام دولة ضعيفة ومجتمع منهك، فيما “نواب إيران” يتهيؤون لجولة جديدة من خطابات الكذب والنفاق الاستراتيجية.
التاريخ القريب سيثبت أن المشكلة ليست في الحروب وحدها، بل في العقلية التي تُديرها، عقلية ترى في لبنان ساحة لا وطنًا، وفي الشعب تابعين لا مواطنين، وفي المغامرة السياسية وسيلة للبقاء في السلطة.
وإذا استمرت هذه الذهنية، فلن يكون السؤال متى تنتهي الحرب الحالية، بل متى تبدأ المغامرة التالية، تلك التي قد يشعلها أحد أغبياء هذا المحور، تاركًا اللبنانيين وحيدين مجددًا يدفعون الثمن بأمنهم وبيوتهم ومستقبلهم.