خاص بوابة بيروت
من يخطّط لشرق أوسطٍ جديد لا يسعى إلى استقراره بقدر ما يعمل على استنزاف قدراته وثرواته لصالحه. فعندما تتدخّل قوى الظلام في لعبة الأمم، تغرز سمومها في أنياب الأوطان وتبثّ الكراهية والحقد في نسيجها، فتفتح الأبواب أمام دورات متتالية من الصراع والدمار.
ما يجري اليوم في المنطقة يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل دول الخليج العربي، بما تمثّله من ثقل اقتصادي وثروات هائلة. فهل ما نشهده مجرّد تصعيد عابر، أم أنه جزء من لعبة أكبر تُدفع فيها المنطقة إلى صراعات طويلة الأمد؟ وهل يُراد لدول الخليج أن تتحمّل كلفة الحروب، فتُستنزف مواردها وتتحوّل أولوياتها من الاستثمار في الإنسان والتنمية إلى سباقات التسلّح وصفقات السلاح الضخمة؟
تطرح هذه الأسئلة مخاوف مشروعة، هل يُراد للمنطقة أن تنزلق إلى حالة عدم استقرار مزمنة، تتحوّل فيها بعض الدول إلى ساحات صراع وترسانات أسلحة وبيئات خصبة للفوضى والإرهاب؟ أم أن الحكمة السياسية قادرة على كسر هذا المسار قبل أن يتجذّر؟
بالنسبة لنا نحن اللبنانيين، فإن لدول الخليج مكانة خاصة في الوجدان والذاكرة. فقد شكّلت عبر عقود طويلة ملاذاً للعمل والكرامة والاستقرار لمئات الآلاف من اللبنانيين، وكانت وجهة اغترابٍ لا هجرة عن الأرض والهوية. هناك نسجت أجيالٌ كاملة علاقاتها الإنسانية والمهنية، وأسهمت في بناء مجتمعاتها وتنميتها، فيما وجدت فيها فرصة للحياة الكريمة وتحقيق الأحلام.
من هنا، فإن أي تهديد لاستقرار تلك الدول لا يعني أهلها وحدهم، بل يلامس أيضاً مصائر شعوبٍ كثيرة ارتبطت بها بعلاقات تاريخية وإنسانية واقتصادية عميقة.
يبقى السؤال الأهم، هل من حكمةٍ سياسية قادرة على قراءة الرسائل قبل أن تتحوّل إلى أزمات كبرى؟ وهل يمكن تفادي الانجرار إلى صراعات استنزاف طويلة لا رابح فيها، بل خاسرون كثر؟
المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى التعقّل والحوار وتغليب منطق الاستقرار على منطق المواجهة. فالحروب حين تندلع قد تبدأ بقرار، لكنها نادراً ما تنتهي بإرادة من أشعلها.
حمى الله المنطقة من الانزلاق إلى مزيد من الصراعات، وحفظ شعوبها من أن تكون وقوداً لمشاريع لا تخدم مستقبلها ولا استقرارها.