ابعد من السلاح… بل منظومة سيطرة

بقلم د. حارث سليمان

من يعتقد أن حزب الله يهتمّ لجراحات الشيعة وآلامهم، ويتبنى قراراته ومبادراته آخذاً بعين الاعتبار سلامة ابناء الطائفة الشيعية ومصالحها، واهمٌ أخرق.

معسكر الخُرْق هذا يمتدّ من العقل الطائفي اللبناني في الأحزاب اللبنانية، التي بحثت طويلاً واجتهدت في إيجاد مقايضة تقوم على تخلي حزب الله عن سلاحه مقابل مكاسب للطائفة الشيعية في مراكز السلطة وإدارات الدولة الأمنية ومؤسساتها الدستورية.

الخراقة هذه عبرت الحدود أيضاً لتصل إلى دول أوروبية، جهدت سنوات طويلة في محاولة إيجاد ثمن سياسي يرضي حزب الله مقابل التخلي عن سلاحه، كأَن المسألة صفقة قابلة للتفاوض، أو خلل توازن يمكن إصلاحه بتعديل في الحصص والامتيازات. لايخدم حزب الله مصالح شيعة لبنان وسلامة عمرانهم، بل يؤطرهم وينظمهم ويصنع منهم قوة قد تنتحر لخدمة ايران.

ومن يعتقد أن مجمل مشكلة حزب الله تتمثل في امتلاكه سلاحاً يمنحه أفضلية طائفية وسياسية على بقية الفرقاء في لبنان، وأن الحل يتمثل بقيام قوة ذات جبروت عسكري بمداهمة مستودعاته وأنفاقه ومراكز تخزين سلاحه لمصادرته أو قصفه وتدميره، هو أيضاً ساذج ومقامر.

لقد حاولت إسرائيل ذلك مراراً، وتحاول مجدداً، وهي تنجح أحياناً في إلحاق أضرار فادحة بالجهوزية العسكرية للحزب، فتقلّص قدراته النارية وكفاءة أسلحته، كما تحاول الولايات المتحدة ودول الغرب وبعض الدول العربية الدفع نحو قيام الجيش اللبناني بجهد فعلي لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وأجهزتها العسكرية والأمنية. وعلى الرغم من الخطوات التي حدثت في هذا المجال، فإن اختصار مشكلة حزب الله بوجود سلاحه، واعتبار انتزاع هذا السلاح حلاً منجزاً وكافياً ليس إلا سراباً خادعاً، يتبدّى للبعض كحقيقة ثم لا يلبث أن يتبدد بعد وقت قصير.

ذلك أن السلاح ليس سوى أحد مظاهر القوة في بنية أكثر تعقيداً. فحزب الله ليس ميليشيا مسلحة فحسب، بل بنية سلطوية كاملة تشبه دولة موازية أو بالأحرى، دويلة عميقة متغلغلة داخل الدولة اللبنانية نفسها، الدويلة هذه هي الحصة الشيعية في مواقع الدولة ومراكزها في الجيش والامن والقضاء والادارة واجهزة الرقابة، وهي حصة تحفظ مصالح حزب الله لا مصالح الشيعة، وتجعل من خيارات الحزب، امرا لا يمكن لمؤسسات الدولة ان تواجهها، ومن يدير هذه الدويلة ويعمل على تجديدها وحمايتها، هو الرئيس نبيه بري، وكل رهان على الرئيس بري لإضعاف منظومة سيطرة حزب الله هو وهم ام خداع.

كل من يعتقد أنه من الممكن أن يتحول حزب الله إلى حزب سياسي لبناني كسائر الأحزاب الطائفية أو العلمانية، يجتمع عناصره في حلقات تنظيمية تناقش الأوضاع السياسية وتقرّر مواقفها وفق قواعد اللعبة الديمقراطية اللبنانية، لا يعرف الوجدان الغيبي والديني الذي يقود هذا التنظيم. فالحزب لا يقوم على عقل سياسي براغماتي فقط، بل على منظومة عقائدية تُخضع كوادره وأعضاءه لتراتبية طاعة صارمة تستمد شرعيتها من مرجعية ولاية الفقيه الدينية العابرة للحدود.

في هذه المنظومة، لا تُقاس الأيام بتقويم السياسة اللبنانية والزمن الراهن، بل بتقويم الطقوس والرموز والشعائر.

روزنامة السنة ليست فصولاً أربعة، بل مواسم عبادة، وذكريات ميلاد الأئمة وشهاداتهم، ومواكب عزاء ومجالس حسينية، وطقوس ولاء، ولطميات وسلسلة مستمرة من الرموز التي تعيد إنتاج هوية الجماعة وربطها بالمرجعية العليا. إنها منظومة تعبئة روحية واجتماعية لا تكتفي بتنظيم السياسة، بل تنظم الوجدان نفسه، و حياة الآخرة.

نجح الحزب في مصادرة الفضاء العام والمجال الاجتماعي في المناطق والقرى الشيعية، من خلال شبكة من المساجد والحسينيات، التي بناها الحزب او سيطر على القائم منها، ومن خلال تجنيد الاف المعممين والمشايخ الذين يتقاضون رواتب اسبوعية وشهرية من وكيل المرشد الايراني، مع توجيهات تحدد توجهات خطب صلاة الجمعة. وتجري استدامة هذه المصادرة وتجديدها في كل نشاط او ظرف مستجد او خدمة مطلوبة من الدولة او البلديات. والمؤسف ان حزب الله الذي اعلن حربا من اجل الثأر للسيد علي خامنئي وتسبب باقتلاع مليون لبناني من بيوتهم، يدير من خلال كوادره مراكز ايواء النازحين، التي فتحتها الدولة، في مناطق الطوائف الاخرى في اقليم الخروب وبيروت وجبل لبنان وعكار وطرابلس والبقاع، ويتحكم بكل شاردة او واردة فيها، بما في ذلك مقابلات الاعلام والتلفزيونات مع ضحاياه، فيما الدولة تقدم خدماتها من خلاله وكأنها تعمل لخدمة سياساته.

غير أن هذه المظاهر العقائدية ليست سوى الغلاف الخارجي. في الجوهر، حزب الله هو تشكيل أمني معقّد، يحمي نفسه داخل طبقات متراكمة من المؤسسات والأجهزة والشبكات؛ إنه أشبه بلعبة الدمى الروسية: كل طبقة تخفي طبقة أخرى، وكل بنية ظاهرية تحمي بنية أعمق وأكثر صلابة.

فهناك أولاً البنية العسكرية التي يعرفها الجميع، بما فيها من صواريخ وأنفاق ووحدات قتالية. لكن خلفها تقف منظومة أمنية واستخباراتية شديدة الانضباط، بعض قياداتها من الحرس الثوري الايراني، بجنسيات لبنانية او ايرانية، تمتلك شبكات مراقبة ومعلومات وقدرة عالية على الاختراق والردع.

ثم تأتي الطبقة السياسية، حيث يتحرك الحزب داخل مؤسسات الدولة، في البرلمان والحكومة والإدارات، ليس بوصفه حزباً عادياً، بل كقوة تمتلك حق النقض غير المعلن على القرارات الكبرى.

وتلي ذلك الطبقة الاجتماعية والاقتصادية، حيث يدير الحزب شبكة واسعة من المؤسسات الصحية والتعليمية والمالية والجمعيات الخيرية، ما يجعله قادراً على بناء مجتمع موازٍ يعتمد عليه في الخدمات والولاء معاً.

أما الطبقة الأخطر فهي تلك التي تتسلل إلى قلب الدولة نفسها : في الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والإدارة العامة وحتى في الإعلام. هنا لا يمارس الحزب السيطرة دائماً بالقوة المباشرة، بل عبر مزيج معقّد من النفوذ السياسي، والردع غير المعلن، والتحالفات، وأحياناً الخوف الصامت الذي يدفع كثيرين إلى التكيّف مع ميزان القوى القائم.

وهكذا، فإن ما يبدو في الظاهر مجرد تنظيم مسلح، هو في الحقيقة منظومة سيطرة شاملة. قد يتسبب حدث عسكري كبير، أو أزمة مالية خانقة، أو تحوّل إقليمي عاصف في فتح ثغرة في هذه المنظومة. وقد تهتز بعض أركانها أو تتراجع قدرتها على الفعل. لكن التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية أظهرت أن هذه المنظومة تمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات وإعادة ترميم نفسها بسرعة.

فإذا تضررت طبقة من طبقاتها، تدخلت الطبقات الأخرى لسدّ الفراغ. وإذا انكشف موقع، أعيد بناء موقع بديل. وإذا ضعفت أداة، استُبدلت بأخرى.

حزب الله لديه مشروعه الايراني يخطط ويبادر ويراكم، ويدع الاطراف الاخرى تتخبط في ردود الفعل والمياومة السياسية، تاركا لها مهمة تضميد جراحات ضحاياه واغاثتهم ومسح اثار مسارح حماقاته.

لهذا السبب تحديداً، فإن فهم ظاهرة حزب الله لا يبدأ من سلاحه ولا ينتهي عنده.

السلاح مجرد رأس جبل الجليد. أما الجبل الحقيقي فهو منظومة السلطة العميقة التي نسجها الحزب داخل المجتمع والدولة معاً، والتي تجعل تفكيكه مسألة تتعلق باعادة بناء بنية الدولة اللبنانية نفسها واستعادتها من براثن الدويلة لا بترسانة عسكرية فحسب، فمن هي القوى اللبنانية والعربية صاحبة المصلحة والرؤية بذلك!؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com