بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت

رئيس التحرير
خلال اللحظات الحساسة التي يمر بها لبنان، تظهر بين الحين والآخر بيانات مريبة تحاول الاختباء خلف عناوين وطنية، فيما حقيقتها ليست سوى محاولة مكشوفة لضرب المؤسسة العسكرية وزرع الشك في صفوفها.
البيان الذي نُشر تحت عنوان “شرف تضحية وفاء” لا يحمل من هذه الكلمات سوى قشورها، إذ يكشف مضمونه بوضوح أنه جزء من حملة سياسية منظّمة تستهدف الجيش اللبناني وتحاول إرباكه في لحظة وطنية دقيقة.
النص الذي نُسب إلى ما سُمّي “الضباط الوطنيين” يقدّم نفسه وكأنه صوت غيور على وحدة الجيش، لكنه في الحقيقة يكرّر حرفياً السردية التي يروّج لها “حزب إيران” في لبنان، منذ سنوات. وهي تحويل أي محاولة لفرض سيادة الدولة إلى “صراع داخلي”، وتصوير تطبيق القانون وكأنه مواجهة مع “قوى وطنية”. هذه ليست لغة أبناء المؤسسة العسكرية الوطنية، بل خطاب سياسي مكتوب بحبر الفتنة.
الجيش اللبناني لم يُنشأ ليكون تابعاً لأي حزب أو محور، ولم يُبنَ كي يقف متفرجاً على سلاح خارج الدولة. مهمته واضحة في الدستور، حماية لبنان وسيادته ووحدة أراضيه. لذلك فإن القول إن قيام الجيش بواجباته القانونية يشكّل “مواجهة مع أبناء الوطن” ليس سوى محاولة مفضوحة لتقييد المؤسسة العسكرية ومنعها من أداء دورها السيادي.
الأخطر في هذا البيان أنه يزرع الشك في صلابة الجيش ويُحاول الإيحاء بأن المؤسسة مهددة بالانقسام. هذه الفكرة بحد ذاتها ليست تحذيراً بريئاً، بل جزء من خطاب تخويفي يهدف إلى شلّ القرار الوطني. فالتاريخ القريب أثبت أن الجيش اللبناني بقي متماسكاً رغم كل الضغوط والمؤامرات، وأن وحدته كانت دائماً أقوى من كل الحملات التي حاولت النيل منها.
أما نشر بيان الفتنة، عبر “المأجور أبراهام الأمين” في صحيفة الأخبار، فقد أضفى عليه بُعداً سياسياً إضافياً. فالمنصة الإعلامية التي تبنّت النص معروفة بتمويلها الإيـراني، ما يطرح تساؤلات جدية حول خلفيات البيان والجهات التي تقف وراء صياغته وترويجه.
الواقع أن مضمون البيان ينهار عند أول اختبار منطقي. فهو يزعم الدفاع عن “وحدة الجيش”، لكنه في الوقت نفسه يدعو عملياً إلى تقييد دوره ومنعه من تطبيق القوانين. ويتحدث عن “حماية السيادة”، بينما يغضّ النظر عن وجود سلاح خارج سلطة الدولة. ويتحدث عن “الاستقرار الوطني”، لكنه يستخدم لغة تشكّك بالمؤسسة الوحيدة التي لا تزال تحظى بثقة اللبنانيين.
الحقيقة أبسط بكثير مما يحاول البيان إخفاءه، أن الجيش اللبناني أقوى من هذه الحملات، وأقوى من كل محاولات تحويله إلى رهينة صراعات سياسية. المؤسسة العسكرية أثبتت مراراً أنها الضامن الوحيد للاستقرار، وأنها قادرة على الصمود رغم الأزمات والضغوط.
لبنان يحتاج اليوم إلى جيش موحّد، لا إلى بيانات ملغومة تُكتب في غرف “الملالي” المدفونة تحت الأرض وتُقدَّم بلباس وطني. فالمؤسسة العسكرية أكبر من الحسابات الضيقة، وأصلب من كل المؤامرات التي تُحاك حولها، وأقوى من أن تهزّها أصوات تحاول استغلال اسمها لخدمة أجندات لا تمتّ إلى مصلحة الوطن بصلة.