بداية نهاية دويلة “#حزب_الله” العميقة داخل #لبنان

بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

لما كانت الأزمات تتفاقم في لبنان، كانت تتكشف طبقات جديدة من حقيقة حاول كثيرون تجاهلها لسنوات طويلة. فقد برزت ملامح دولة أخرى نشأت داخل الدولة، تمددت في مؤسساتها، وتشابكت مع قراراتها، حتى أصبح من الصعب أحياناً التمييز بين حدود الدولة اللبنانية وحدود ما عُرف لاحقاً بـ الدولة العميقة لحزب الله داخل لبنان.

لم يكن هذا التغلغل وليد لحظة عابرة، بل كان نتيجة مسار طويل امتد لعقود. فقد استطاع الحزب، مستفيداً من ضعف الدولة والانقسامات السياسية، أن يتسلل تدريجياً إلى مفاصل أساسية في النظام اللبناني، من الوزارات إلى المؤسسات الأكاديمية، وصولاً إلى القضاء وبعض الأجهزة الأمنية.

ومع مرور الوقت، تراكمت الوقائع وتكاثرت المؤشرات.

فقد ظهرت مشاهد أظهرت منصات تابعة للحزب انطلقت من داخل ثكنة للجيش، في صورة طرحت أسئلة كبيرة حول الحدود الفعلية بين الدولة والتنظيم. وفي الجامعة اللبنانية، ظهرت اتهامات طالت بعض العمداء الذين اغتيلوا لاحقاً، بعد الاشتباه بتورطهم في تأمين مخازن داخل حرم الجامعة في الحدث، في وقت جرى فيه توظيف النشاط الطلابي لتجييش عدد من الطلاب لخدمة مشروع الحزب السياسي والتنظيمي.

لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد.

ففي المحكمة العسكرية، تكررت وقائع أشارت إلى قدرة الحزب على التأثير في مسار ملفات قضائية حساسة. فقد خرج متورطون في قضايا كبيرة من دون محاكمات حقيقية، أو عبر محاكمات وُصفت بالشكلية أو الرمزية، وكان آخرها إطلاق سراح شبان ضُبطوا وبحوزتهم أسلحة غير مرخصة مقابل كفالة مالية لم تتجاوز عشرين دولاراً. وقد أدى ذلك في إحدى المراحل إلى استدعاء رئيس المحكمة العسكرية من قبل وزير العدل، في خطوة عكست حجم القلق داخل المؤسسة القضائية نفسها.

أما داخل الوزارات، فقد ظهرت مؤشرات عديدة على تمكن الحزب من تمرير مبالغ مالية كبيرة عبر مؤسسات الدولة، وبمساعدة بعض وزراء المالية السابقين، لتأمين مستلزماته المختلفة من معدات وتجهيزات ومواد استُخدمت في الحروب، ولا سيما في دعم نظام بشار الأسد في سوريا. كما جرى الربط بين بعض المواد التي دخلت عبر مؤسسات الدولة وبين الكارثة التي انتهت بانفجار انفجار مرفأ بيروت، وهو الانفجار الذي شكل أحد أكبر المآسي في تاريخ لبنان الحديث.

وفي مواسم الانتخابات، تكرر الحديث عن استخدام موارد الدولة لدعم مناصري الحزب، ولا سيما عبر مجلس الجنوب، إضافة إلى ممارسات ترهيب طالت بعض الناخبين المعارضين داخل البيئة الشيعية نفسها، في ظل غياب شبه كامل للمحاسبة أو الرقابة.

كلما تعمقت الصورة، أصبحت أبعادها أكثر وضوحاً.

فالحزب لم يكن مجرد تنظيم سياسي تقليدي، بل قام كحزباً عقائدياً نشأ في إطار مشروع إقليمي تقوده إيران. وتحت شعار جذاب وواسع التأثير هو “المقاومة”، نشأت شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والثقافية التي قدمت مناهج وأفكاراً مختلفة عن المناهج التربوية اللبنانية التقليدية.

وفي تلك المؤسسات، جرى تكوين أجيال كاملة على منظومة فكرية خاصة، حيث قُدم مفهوم الشهادة بوصفه خياراً عقائدياً مرتبطاً بالحزب وبالمشروع الإيراني، وغُرست أفكار رأت أن قيمة الوطن كانت تقاس بمدى انسجامه مع مصالح ذلك المشروع.

وكانت النتيجة واضحة.

فعندما اكتشف المشروع العقائدي أن الواقع اللبناني لا يشبهه، لم يحاول التكيف معه بقدر ما سعى إلى تغييره.

ومن هنا بدأ بناء ما عُرف لاحقاً بالدولة العميقة.

على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، ولا سيما بعد تحرير الجنوب عام ٢٠٠٠، استفاد الحزب من شبكة تحالفات سياسية معقدة. فقد وجد دعماً في نظام الحكم السوري خلال عهد عائلة الأسد، كما استفاد من وصول رؤساء جمهورية إلى السلطة عبر تفاهمات معه، وكان من أبرزهم الرؤساء إميل لحود و ميشال عون، إضافة إلى كتل نيابية ساهمت في إيصال رؤساء حكومات ووزراء ونواب كانوا أقرب إلى مشروعه السياسي.

وبهذه الطريقة، لم يعد الحزب مجرد طرف في الحياة السياسية اللبنانية، بل تحول إلى جزء أساسي من منظومة حكم متشابكة أثرت في القرار السياسي والأمني والاقتصادي للدولة.

ومع مرور السنوات، لم يقتصر نفوذ هذا المشروع على لبنان فقط.

بل امتد عبر شبكة إقليمية واسعة إلى سوريا واليمن والعراق وغزة، ووصلت تأثيراته إلى أجزاء من السودان وليبيا. وقد تشكلت بذلك منظومة نفوذ اعتمدت على القوة العسكرية والتحالفات السياسية والدعم الاقتصادي، تحت شعار “تحرير القدس” بقيادة ولاية الفقيه.

وقد استفاد هذا المشروع، بشكل غير مباشر، من سياسات بعض الإدارات الديمقراطية في الولايات المتحدة، ولا سيما خلال عهود بيل كلينتون و باراك أوباما و جو بايدن، حيث سمحت تلك السياسات بفسحة زمنية ساعدت إيران على تطوير نفوذها الإقليمي والعمل على مشروعها النووي، الذي استُخدم لاحقاً كأداة ضغط وترهيب في المنطقة، وخصوصاً تجاه دول الخليج.

غير أن التحولات الدولية والإقليمية بدأت لاحقاً في تغيير موازين القوى.

فقد لعب وصول دونالد ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة دوراً في تغيير البوصلة السياسية، وتشديد الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران وشبكات نفوذها في المنطقة. ومع تصاعد المواجهات في الشرق الأوسط، وبعد ما اعتبره البعض سقوطاً سياسياً وعسكرياً للمشروع الذي بُني في غزة، بدأت تظهر أولى ملامح اهتزاز ذلك المشروع الإقليمي الذي كان الحزب جزءاً أساسياً منه.

عند تلك اللحظة، بدأت الصورة تتغير.

المشروع الذي بدا في مرحلة ما متماسكاً وقادراً على التوسع، بدأ يتهاوى تدريجياً كبيت من أوراق اللعب. ومع تصاعد التوترات التي وصلت إلى ما وُصف بأول مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرت اثني عشر يوماً، امتدت تداعياتها إلى لبنان حيث تعرضت قواعد أساسية للحزب لضربات مباشرة.

ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، كانت تسقط ورقة جديدة من هذا البناء، إلى أن بدأ الحديث عن لحظة النهاية التي تشبه في السياسة لحظة كش ملك التي تنهي اللعبة.

ومع تصاعد الاحتجاجات داخل طهران نفسها، بدأ الحديث عن نهاية مرحلة ولاية الفقيه، وعن قرار أميركي بالمضي نحو إسقاط النظام الإيراني. وعند تلك النقطة، بدأ الحديث بشكل جدي عن بداية سقوط الدولة العميقة للحزب في لبنان.

وقد جاءت الشرارة الأولى من لبنان نفسه، حين أُطلقت بضعة صواريخ رداً على اغتيال علي خامنئي بحسب ما رُوّج في حينه، وهو ما استُخدم كذريعة لتوسيع المواجهة وبدء الحرب التي استهدفت بنية الحزب، بدعم كامل من الولايات المتحدة.

وهكذا، بدأ لبنان يشهد انهيار أحلام مشروع عمل عليه الحزب لعقود من الزمن.

مشروع لم يتردد أصحابه في إيذاء كل معارض له، بدءاً من اغتيال رفيق الحريري، وليس انتهاءً باغتيال لقمان سليم، وصولاً إلى سلسلة طويلة من الأحداث التي انتهت بكارثة انفجار مرفأ بيروت، وانهيار الحكومة والقطاع الخاص والمصارف، ونهب مؤسسات الدولة وثروات المواطنين.

لقد تحول المشروع، في نظر كثيرين، من مشروع مقاومة إلى مشروع هيمنة ودمار.

حزبٌ بنى قوته عبر اقتصاد موازٍ قائم على تجارة المخدرات وبيع السلاح والصفقات المشبوهة، تحت شعار أن الغاية تبرر الوسيلة. وهو الشعار الذي طُبق بلا تردد، خصوصاً في دعم نظام متهم بارتكاب جرائم واسعة في سوريا، حيث قُتل وشُرّد ملايين السوريين.

نظاماً لم يعرف في مسيرته سوى لغة القتل وسيلة، ولغة الاستشهاد غاية.
.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com