بين البيانات الرسمية وواجب #الدولة : أزمة ثقة لا تعالج بالبيانات

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@MirazJundi

ما صدر عن رئيس الحكومة في مؤتمره الصحفي، وبيان مديرية التوجيه في الجيش، على خلفية ما نُشر في صحيفة الأخبار حول ما سُمّي بـ”الضباط الوطنيين”، بدا أقرب إلى محاولة تطويق الجدل إعلاميًا، منه إلى معالجة جدية للأسباب التي أدّت إلى اهتزاز الثقة لدى جزء من اللبنانيين.

البيانات الرسمية ركّزت على التأكيد على الثوابت الوطنية ورفض التشكيك بالمؤسسات، وهو أمر مفهوم في ظل الظروف الحساسة التي يمر بها لبنان، إلا أنّ الاكتفاء بالخطاب الإعلامي دون إعلان واضح عن خطوات تحقيق أو تدقيق شفافة، لا يبدّد الشكوك، بل يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التساؤلات.

في أي دولة تسعى إلى حماية مؤسساتها، لا يكفي الردّ بالبيانات، بل يفترض أن يترافق ذلك مع إجراءات مؤسساتية واضحة، لأن الثقة العامة لا تُبنى على النوايا المعلنة، بل على الممارسات القابلة للمراجعة والمحاسبة.

المشكلة لا تكمن في مقال صحفي بحد ذاته، بل في مناخ عام تراكم خلال سنوات، يشعر فيه كثير من اللبنانيين بأن الدولة لا تزال عاجزة عن حسم ملفات أساسية تتعلق بالسيادة وبحصرية القرار الأمني والعسكري، أو أنها تتعامل معها بقدر كبير من الحذر الذي يفسّره البعض على أنه تردّد، ويفسّره آخرون على أنه عجز.

وهذا المناخ هو ما يجعل أي خبر أو تسريب أو مقال قادرًا على إثارة القلق، لأن الثقة بالمؤسسات لم تعد في مستوى يسمح بمرور الأزمات من دون تداعيات سياسية وشعبية.

إن معالجة هذا الواقع لا تكون برفع سقف الخطاب الوطني فقط، بل بخطوات عملية تعيد تثبيت قواعد الدولة، وأهمها:

  • التأكيد الفعلي على استقلالية المؤسسة العسكرية عن أي اصطفاف سياسي أو أمني.
  • اعتماد الشفافية في كل ما يمس ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم.
  • إجراء المراجعات اللازمة داخل المؤسسات وفق القانون عند كل إشكال يثير جدلًا عامًا.
  • التمسك الصارم بمبدأ حصرية السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة وفق الدستور.

إن المطالبة بهذه الأمور ليست تشكيكًا بالدولة، بل على العكس، هي دفاع عن فكرة الدولة نفسها، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بلد ليس النقد، بل تآكل الثقة بصمت.

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى بيانات تطمينية، بل إلى أفعال تؤكد أن الدولة قادرة على أن تكون المرجعية الوحيدة فوق الجميع، وأن القانون يُطبَّق على الجميع، وأن السيادة ليست شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل قاعدة ثابتة لا استثناء فيها.

وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة لن تؤدي إلى تهدئة الجدل، بل إلى تعميق أزمة الثقة التي باتت أخطر من أي مقال أو تسريب.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com