المكابرة والاستهانة بالخصوم

بقلم د. عادل العوفي
@adelaloffi

تصاب الأنظمة والأحزاب السياسية أحيانًا بالغرور المفرط، فتتخيل، بعد إلقاء خطاب مؤثر أمام حشود غفيرة، أنها قد ملكت مفاتيح العالم. هذه الجماعات، التي تفتقر غالبًا إلى فهم عميق للتوازنات الدولية ودهاليز السياسة المعقدة، تضل طريقها وتعتقد في خرافات مثل كونها تستمد قوتها من السماء، وأنها تمثل الفئة المنصورة. في خضم ذلك، تستحضر في أذهانها مثال الانتصار القليل ضد الجموع العظيمة، ما يعزز قناعاتها الزائفة.

تستخف هذه الدول والأحزاب بالقوى المقابلة، متبعةً نهجًا متعجرفًا في الحوار والمفاوضات، مشدودةً بشعورٍ من الفوقية. وغالبًا ما تفوت على نفسها الفرص الثمينة، مُعتمدةً على فرض القوة واستغلال الآخرين، ساعية خلف مصالحها الذاتية، بينما تضعهم كأوراق في لعبة التفاوض.

تلك القوى المتغطرسة لا تعير الانتباه للخسائر البشرية، فهي تدفع الأفراد نحو حتفهم دون اكتراث، مستبدلة الحكمة والعقلانية بلغة التحريض والتهور. وبذلك، غالبًا ما تعود هذه القوى إلى النقطة الأولى، حيث الخسائر تتوالى وتتفاقم.

ومن المثير للاهتمام أن هذه القوى ترفض الاعتراف بالأطراف الأخرى، وتعتمد في تعاملها على القوة والإكراه، عوضا عن التعاون والشراكة، خصوصًا عندما تظفر بالسيطرة والتوسع.

تتجه القوى المتعجرفة، في كثير من الأحيان، نحو التطرف والشعارات المبالغ فيها، وتصور لشعوبها أو جماهيرها أنها «قوة لا تُقهر»، قادرة على سحق أي خصم تحت ذريعة الدفاع عن الكرامة الوطنية والمبادئ السامية.

لكن في حقيقة الأمر، تسقط هذه القوى في أولى المحن والمواجهات، ويغمر الصدمة والذهول جماهيرها حين يتكشف لها هوانها الداخلي وعمق الاختراقات الخارجية التي تعانيها، فضلًا عن تهافت شعاراتها وضعف أسسها في ساحات التفاوض وميادين القتال. تتجرع «قوى المكابرة» مرارة الإنكار إزاء ما يمتلكه خصومها من قدرات تقنية وعسكرية وتفاوضية واقتصادية تفوق الوصف، فتجد نفسها غارقة في مستنقعات الهزيمة. كما أن الانجراف الأيديولوجي المتعصب يؤدي دورًا محوريًا في تشكيل هذه العقلية، التي تتحول إلى سلوكيات سياسية هزيلة ومناكفات صبيانية تؤدي بها إلى مصير الانتحار السياسي.

إن الإدارة السياسية للدول والأحزاب ليست سوى نتاج تراكمات غنية عبر عقود طويلة من التجارب والخبرات، تتطلب استبصارًا معرفيًا وواقعيًا وفكريًا عميقًا. يتوجب على القائمين عليها دراسة الإمكانيات الذاتية وفهم أبعاد الثقل والتوازنات الدولية، بالإضافة إلى تحليل القدرات المتنوعة لدى الخصوم، وطرق اكتساب المصداقية السياسية والشفافية في التعامل مع الحلفاء والأصدقاء.

غير أن الغرور السياسي والمكابرة يظلان كالعقبات التي تعترض طريق أصحابها، حيث تؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان الثقة والمصداقية لديهم أمام قواعدهم وشعوبهم، ما يجعلهم يعيشون في عزلة تكرر شعارات المظلومية، بينما هم مشلولون وغير قادرين على إحداث تغيير إيجابي أو تحقيق انتصارات ملموسة في الواقع. وهكذا، فإنهم ينزلقون نحو الانحسار والضعف، ليجدوا أنفسهم في دوامة من الفشل والتناقضات، غير قادرين على الصمود أو الاستمرار.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com