من عطل الكاميرات وكشف #بيروت أمنيًا ؟
@MirazJundi
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يجري في لبنان على أنه خلل عابر في الأداء، أو تقصير إداري يمكن إصلاحه.
ما نشهده اليوم هو نتيجة مسار طويل من تقويض الدولة لمصلحة منظومة السلاح غير الشرعي، حيث تتراجع المؤسسات الرسمية خطوة بعد خطوة، فيما تتقدّم الميليشيات لتملأ الفراغ وتفرض قواعدها على الجميع.
التصريحات الأخيرة لنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، علي الخطيب، التي وُزّعت فيها تهم العمالة والخيانة على كل من يجرؤ على الانتقاد، لم تكن مجرد موقف إعلامي، بل تعبير واضح عن عقلية تعتبر أن الاعتراض جريمة، وأن الولاء يجب أن يكون للمحور لا للدولة.
هذا الخطاب لا يأتي من فراغ، بل يترافق مع ممارسات على الأرض تؤكد أن القرار الأمني لم يعد بيد الدولة وحدها.
أخطر ما كُشف في الأيام الأخيرة هو ما تردد عن تعطيل كاميرات المراقبة في العاصمة بيروت، في توقيت حساس، ما جعل المدينة مكشوفة أمنيًا بشكل غير مسبوق.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنيًا بل سياسي: من يملك القدرة على تعطيل منظومة مراقبة في العاصمة؟ ومن يملك الجرأة على فعل ذلك من دون أن تُحاسبه الدولة؟
في بلد طبيعي، هذا الملف وحده كفيل بإسقاط حكومة وفتح تحقيق قضائي واسع، أما في لبنان، فيمرّ الأمر بصمت، وكأن كشف العاصمة أمنيًا مسألة عادية، أو كأن هناك من لا يريد للحقيقة أن تظهر، خصوصًا في ظل حكومة تصدر قرارات من دون أي قدرة فعلية على تنفيذها، فتبدو الدولة كأنها موجودة على الورق فقط، فيما القرار الفعلي في مكان آخر.
هذا المشهد يعيد إلى الواجهة واقعًا يعرفه اللبنانيون جيدًا: وجود قوة مسلّحة خارج إطار الدولة، تملك قرار الحرب والسلم، وتملك القدرة على تعطيل المؤسسات عندما يتعارض عملها مع مصالحها.
إن وجود ميليشيا مثل حزب الله الخارجة عن القانون بسلاحه وبنيته الأمنية الخاصة، وامتلاكه في الوقت نفسه غطاءً سياسيًا داخل السلطة، يجعل أي حديث عن سيادة الدولة ناقصًا.
كيف لدولة يعتبر جزء من المجتمع الدولي أن الجناح العسكري فيها خارج عن القانون، فيما يشارك جناحه السياسي في الحكم؟
الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع أن تحتكر القرار، والدولة التي لا تملك القرار لا تستطيع أن تحمي شعبها.
لكن المسؤولية لا تقع على الميليشيا وحدها، بل أيضًا على السلطة الرسمية التي اختارت التسوية بدل المواجهة، والصمت بدل المحاسبة.
الرئيس جوزيف عون، الذي وصل إلى موقعه على وقع وعود بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي.
فكلما وُجّه نقد إلى الأداء العسكري أو الأمني، نشهد حملة تعويم فورية للقيادة بدل فتح تحقيق ومحاسبة، وكأن المطلوب حماية المواقع لا حماية البلد.
تعويم القائد عند كل أزمة لا يبني مؤسسة، بل يضعفها، لأن المؤسسة القوية تقوم على الشفافية والمساءلة، لا على الحصانة السياسية.
هل الجيش ليحمينا ام ماذا ؟
ويبقى السؤال مشروعًا، هل سيكون آخر الرؤساء العسكريين؟ وهل سيكمل ولايته بنفس الزخم الذي بدأ به، أم سيتحوّل مع الوقت إلى نسخة جديدة من رؤساء حكمتهم التسويات، حتى باتت لقاءاتهم محصورة بحلفاء المنظومة وأدواتها؟
في المقابل، يستمر رئيس مجلس النواب نبيه بري، عرّاب التوازنات والزبائنية السياسية، في إدارة جزء أساسي من المعادلة التي تحكم البلاد منذ عقود، حيث تُحفظ مواقع السلطة ولو على حساب قيام دولة فعلية.
هذه المنظومة التي قامت على تقاسم النفوذ الطائفي لم تعد قادرة على إنتاج استقرار، لكنها ما زالت قادرة على تعطيل أي محاولة لبناء دولة حقيقية، لأنها تعرف أن قيام الدولة يعني نهاية الامتيازات.
لا يمكن فهم هذا المشهد من دون التوقف عند الدور الذي تلعبه المرجعيات المرتبطة بالمحور الإيراني، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر النفوذ الأمني والعقائدي.
حين يصبح القرار الداخلي مرتبطًا بحسابات خارج الحدود، وحين تتحول الساحة اللبنانية إلى جزء من صراع إقليمي، يصبح الأمن الداخلي هشًا، وتصبح العاصمة نفسها عرضة لأن تُترك مكشوفة إذا اقتضت المصلحة.
هذا الواقع يضع لبنان في موقع الدولة الضعيفة التي لا تملك قرارها، ويجعل أي حديث عن السيادة مجرد شعار يُستخدم في الخطابات.
اليوم يقف اللبنانيون أمام مشهد واضح، دولة تتراجع، أجهزة شبه غائبة، ميليشيا تتقدّم، ومنظومة سياسية تحمي نفسها بدل أن تحمي البلد.
لا انتصارات عسكرية تتحقق، ولا اقتصاد يُبنى، ولا مؤسسات تستعيد ثقة الناس.
الخاسر هو لبنان الدولة والشعب، والرابح هو من يملك السلاح ومن يملك القدرة على تعطيل الدولة عندما يشاء.
إذا استمر هذا المسار، فلن يكون السؤال إن كنا سنصل إلى تدخل دولي أو إلى الفصل السابع..
بل إن كان سيبقى هناك لبنان أصلًا كما نعرفه، أم أن مسار إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط سيطاله أيضًا، في ظل منظومة مستعدة أن تخسر الأرض والاقتصاد والمؤسسات، شرط أن تبقى هي في السلطة.