سجون خارج الدولة… وسجون داخلها : من المسؤول عن ضياع الحرية في لبنان؟

خاص بوابة بيروت

منذ سنوات نحذّر من ملف خطير يتعلّق بوجود معتقلين في أماكن احتجاز خارج إطار الدولة، حيث يتم توقيف لبنانيين وغير لبنانيين لدى جهات مسلّحة من دون مسار قضائي واضح، ومن دون محاكمات عادلة، وفي ظل روايات متكرّرة عن انتهاكات واحتجاز تعسّفي وإخفاء قسري.

ويوم طُرح هذا الملف سابقًا، لم نرَ تحرّكًا جديًا من السلطة، ولا موقفًا حاسمًا من الدولة، وكأن الأمر لا يمسّ سيادتها ولا كرامة مواطنيها.

ما أعاد فتح هذا الجرح اليوم هو ما نُشر في جريدة النهار حول قضية أحد المحتجزين الذي تبيّن أنه كان موقوفًا لدى ميليشيا حزب الله الخارجة عن القانون، قبل أن ينتهي به الأمر في سفارة إحدى الدول، في مشهد يختصر حجم الخلل القائم في مفهوم الدولة نفسها.

ففي أي دولة طبيعية، لا يمكن أن يوجد سجن خارج سلطة القضاء، ولا يمكن أن يُحرم إنسان من حريته من دون محاكمة، ولا يمكن أن تتعامل السلطة مع الأمر وكأنه تفصيل أمني ثانوي.

لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن أزمة الحرية في لبنان لا تقتصر على السجون الخارجة عن الدولة فقط، بل تمتدّ أيضًا إلى داخل السجون الرسمية.

فقد سبق أن أشرت في مقال سابق إلى أن نسبة كبيرة من الموقوفين في لبنان ما زالت من دون محاكمات منذ سنوات، وأن عددًا كبيرًا من السجناء هم موقوفون احتياطيًا لم تصدر بحقهم أحكام بعد، في مخالفة واضحة لروح العدالة ولمبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

عندما يكون في البلد سجون خارج القانون، وسجون داخل القانون لكن بلا محاكمات، يصبح السؤال مشروعًا:
من المسؤول عن ضياع معنى الحرية في لبنان؟

المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة، بل على رأس السلطة السياسية كاملة. تقع على رئاسة الجمهورية التي يفترض أن تكون حامية للدستور، وعلى الحكومة التي يفترض أن تفرض سلطة القانون على كل الأراضي اللبنانية، وعلى مجلس النواب الذي يفترض أن يراقب ويحاسب ويشرّع لحماية الحقوق، لا لتبرير العجز.

لا يمكن لأي سلطة أن تتحدّث عن السيادة، فيما هناك مواطن يمكن أن يُعتقل خارج القضاء. ولا يمكن لأي سلطة أن تتحدّث عن العدالة، فيما هناك آلاف الموقوفين ينتظرون سنوات ليُحاكموا.

ولا يمكن لأي سلطة أن تتحدّث عن دولة، فيما القرار الأمني والقضائي ليس حكرًا على الدولة.

الأخطر من ذلك أن هذا الصمت الرسمي لم يعد يُفسَّر كعجز فقط، بل يُفسَّر عند كثير من اللبنانيين كقبول بالأمر الواقع، أو كعجز عن مواجهته، وفي الحالتين النتيجة واحدة: تآكل ما تبقّى من ثقة بين المواطن ودولته.

الدولة التي لا تحمي حرية مواطنيها، والدولة التي لا تجرؤ على منع أي احتجاز خارج القانون، والدولة التي تعجز عن تسريع العدالة داخل سجونها، هي دولة تترك شعبها في منطقة رمادية بين الفوضى والخوف.

نحن نحب أن نقول إن لبنان بلد الحريات، لكن الحرية لا تُقاس بالخطب ولا بالشعارات، بل بأن لا يكون في هذا البلد أي سجن خارج سلطة القضاء، ولا أي موقوف بلا محاكمة، ولا أي ملف يُترك للصمت لأن فتحه يزعج أصحاب النفوذ.

وعندما يصبح الدفاع عن الحرية مجرّد رأي، ويصبح الصمت هو القاعدة، عندها لا تكون المشكلة في السجون فقط… بل في الدولة نفسها.

لأن ما نشهده اليوم ليس مجرد خلل إداري أو تقصير ظرفي، بل نتيجة منظومة كاملة ما زالت تتحكّم بالبلد، منظومة السلاح الخارج عن الدولة، ومنظومة الفساد داخلها، منظومة تتعايش مع غياب العدالة، وتتكيّف مع انتهاك القانون، وتتمدد كلما صمتت السلطة، وكلما تراجع دور المؤسسات.

وفي ظل هذه المعادلة، لا يعود السؤال لماذا تضيع الحرية في لبنان، بل كيف يمكن أن تبقى أصلًا.. في دولة لم تحسم بعد أن القانون يجب أن يكون فوق الجميع.

المشكلة لم تعد في السجون… المشكلة أن الدولة نفسها أصبحت رهينة ميزان القوة لا ميزان القانون.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com