بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

كاتب وناشط سياسي
منذ ما يقارب العشرين عاماً، وتحديداً بعد خروج النظام السوري من لبنان، بدأ ميزان القوى الداخلي يتغيّر تدريجياً. ومع تراجع النفوذ السوري بعد مقتل الرئيس الحريري وانتفاضة 14 آذار التي أدّت إلى خروجه، سعى حزب الله إلى إعادة بناء قوته، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً أيضاً، مستفيداً من دعم إيران بقيادة المرشد الأعلى.
في تلك المرحلة، عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل القطاع الخاص اللبناني، فأنشأ شبكات اقتصادية متشعّبة هدفت إلى تأمين مصادر دخل ثابتة تمكّنه من تمويل مؤسساته التعليمية والاجتماعية والدينية والعسكرية، إضافة إلى دعم عائلات مقاتليه. ومع الوقت، توسّعت هذه الشبكات خارج لبنان لتشمل دولاً في أفريقيا وأميركا الجنوبية، إضافة إلى العراق وسوريا، بالتنسيق مع نظام بشار الأسد.
اعتمد الحزب، وفق هذا الطرح، على أنشطة اقتصادية موازية، من بينها التهريب والتجارة غير الشرعية، بما في ذلك الكبتاغون نحو دول الخليج، إضافة إلى التعاون مع شبكات منظمة في بعض دول أميركا اللاتينية وأفريقيا لتجارة السلاح أيضاً.
هذا النموذج سمح له بتجاوز القيود الرسمية، من جمارك وضرائب، معتمداً على إدخال العملة الصعبة بوسائل متعددة.
ومن النقاط التي يُثار حولها جدل واسع مسألة استفادته من نظام الدعم في لبنان، لا سيما دعم السلع الأساسية والمحروقات، حيث يُتَّهم بالاستفادة من فروقات الأسعار عبر تهريب هذه المواد إلى سوريا خلال سنوات الأزمة. ويُعتبر هذا العامل، وفق المصادر الدولية، أحد أسباب استنزاف احتياطات الدولة بالعملة الصعبة وتفاقم الأزمة الاقتصادية وانهيار القطاع المصرفي. في المقابل، ينفي الحزب هذه الاتهامات أو يضعها ضمن سياق أوسع من التهريب الذي شاركت فيه جهات متعددة.
كما تعزّز نفوذه داخل الاقتصاد اللبناني عبر شركات وشراكات مع رجال أعمال نافذين في الحزب ومؤسسات تابعة لهم، يعمل بعضها تحت غطاء جمعيات خيرية أو كيانات قانونية، ما أتاح له منافسة غير متكافئة مع بقية القطاع الخاص، وأدّى بحسب هذا الرأي إلى إضعاف بنية الاقتصاد التقليدي من حيث إيرادات الضرائب والجمارك.
أما في ما يتعلق بملف انفجار مرفأ بيروت 2020، فقد طُرحت فرضيات متعددة حول أسباب وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ والجهات المرتبطة بها. وتربط بعض الآراء هذا الملف بالصراع في سوريا وإمكانية استخدام هذه المواد في سياقات عسكرية، إلا أن التحقيقات الرسمية لم تُصدر حكماً نهائياً يحدّد المسؤوليات بشكل قاطع، ما يجعل هذا الملف مفتوحاً على تفسيرات متباينة.
مع تصاعد المواجهة مع إسرائيل، برزت مقاربة جديدة تقوم على استهداف البنية الاقتصادية للحزب، انطلاقاً من قناعة بأن إضعافه عسكرياً يمرّ عبر تجفيف مصادر تمويله. وتشمل هذه الاستراتيجية:
- قطع الدعم الخارجي، سواء كان لوجستياً أو مالياً
- تفكيك الشبكات الدولية المرتبطة به
- ضرب الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم النظام السوري
- استعادة عقارات واستثمارات استولى عليها الحزب في عهد نظام الأسد من قبل حكومة الشرع
ومع تطوّر الصراع، امتدّ الاستهداف إلى الداخل اللبناني، حيث طالت الضغوط مؤسسات مالية وخدماتية مرتبطة بالحزب، مثل “القرض الحسن”، إضافة إلى قطاعات حيوية كالمحروقات والخدمات الصحية.
الأخطر، وفق هذا التحليل، هو انتقال الاستهداف إلى شركات ومؤسسات يُعتقد أنها تشكّل جزءاً من شبكة التمويل غير المباشرة، رغم ظهورها ككيانات خاصة مستقلة. إن إدراج هذه المؤسسات ضمن العقوبات أو استهدافها قد يُحدث صدمة داخل المجتمع، خاصة أنها أصبحت جزءاً من الدورة الاقتصادية اليومية.
في هذا السياق، يُطرح تساؤل أساسي: هل سيتمكّن الحزب من الاعتماد على هذه “الخرطوشة الأخيرة” لتعويض خسائره، أم أن شركاءه في القطاع الخاص سيسارعون إلى النأي بأنفسهم عنه خوفاً من العقوبات وخسارة مصالحهم؟
في المقابل، تتجه الأنظار نحو الدولة اللبنانية، التي يُفترض أن تلعب دوراً حاسماً في هذه المرحلة، سواء عبر إعادة فرض سلطتها على المؤسسات، أو من خلال تمكين الجيش من بسط السيطرة على السلاح غير الشرعي.
في المحصلة، تبدو المواجهة اليوم أبعد من كونها عسكرية، إذ تحوّلت إلى حرب اقتصادية مفتوحة. نتائجها لن تحدد فقط مصير حزب الله، بل أيضاً شكل الاقتصاد اللبناني ومستقبل الدولة. أما الحسم، فيبقى رهناً بتطورات المرحلة المقبلة، في ظل اقتصادٍ يعتمد على النقد في ظل غياب الاستقرار المصرفي وانكماش الاقتصاد اللبناني.