خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
في هذا العالم، لا تتحرك الاقتصادات بالقرارات فقط، بل بالممرات. ومضيق هرمز وباب المندب ليسا مجرد نقاط على الخريطة، بل شرايين تضخ الطاقة والتجارة في جسد العالم.
اليوم، لم يعد الحديث عن تعطّل هذه الشرايين خيالًا. التوتر في مضيق هرمز بدأ ينعكس فعليًا على الأسواق، وأسعار النفط ترتفع بشكل مقلق، لتجرّ خلفها موجة غلاء تطال كل شيء: من الوقود إلى الكهرباء، ومن النقل إلى الغذاء.
لكن ماذا لو أُغلق المضيقان معًا؟
عندها، لن تكون أزمة… بل صدمة عالمية. ستتباطأ السفن، ترتفع كلفة الشحن والتأمين، وتبدأ الإمدادات بالتراجع. ومعها تقفز أسعار النفط إلى مستويات “مخيفة”، لتشعل تضخمًا يضغط على الحكومات والشعوب في آنٍ واحد.
والمفارقة أن الطلب على النفط لن ينخفض، بل سيزداد. فالعالم حين يختنق، لا يملك رفاهية التوقف، بل يستهلك أكثر ليبقى واقفًا.
سياسيًا، الصورة لا تقل قتامة. فهناك مؤشرات على أن دولًا أوروبية، مثل فرنسا، ليست متحمسة للدخول في حرب لإعادة فتح هذه الممرات، وهو تردد قد يمتد إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حيث الخوف من التصعيد قد يتفوق على الرغبة في الحسم.
في المقابل، قد تتوسع الأزمة إقليميًا، مع احتمال دخول اليمن على خط إغلاق باب المندب دعمًا لحلفائه، ما يحوّل الأزمة من اضطراب بحري إلى مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات.
وسط كل ذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام دور لا يمكن الهروب منه. حماية الملاحة، واحتواء الحلفاء، ومنع الانفجار الكبير. مهمة ثقيلة… حتى على أقوى اقتصاد في العالم.
ومع استمرار الضغط، يلوح أخطر سيناريو: ركود اقتصادي مصحوب بتضخم مرتفع. مزيج يربك الحكومات ويثقل كاهل الشعوب، خصوصًا في الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة.
لكن ربما يكون الدرس الأهم في كل هذا أبسط مما يبدو: العالم، بكل قوته وتعقيده، هشّ أكثر مما نعتقد.فأحيانًا… يكفي أن تُغلق نقطة صغيرة على الخريطة،ليختنق العالم بأكمله.