#لبنان : حكايةُ شعبٍ يدفنُ أحلامَهُ كلَّ يومٍ على حسابِ #طائفيةِ #السياسةِ اللبنانية !

بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت
@kchaya

هذا الصباحُ في بيروت… ليس صباحًا عاديًا.

على الطريقِ الساحليِّ شمالًا، تسيرُ سيارةٌ عائليةٌ محمَّلةٌ بالفرشِ، والحقائبِ، وبقايا حياة.

أبٌ يقودُ بصمتٍ ثقيل، وأمٌّ تمسحُ دمعةً خفيّة، وأطفالٌ يظنّون أنّها رحلةٌ قصيرةٌ أو نزهةٌ مؤقّتة.

الوجهة، مطارُ رفيق الحريري الدولي… ثمّ طائرةٌ إلى أيِّ بلدٍ لا يُقصف، ولا ينهار، ولا يبتلع أبناءه.

في بيروت، أطفأ صاحبُ مطعمٍ أنوارَ محلّه للمرّةِ الأخيرة بعد خمسةٍ وثلاثين عامًا من العمل.

كان في منطقةٍ تُصنَّف “آمنةً نسبيًا”، لكنّ الانهيارَ الاقتصاديَّ كان أسرعَ من الأمان.

قال له زبائنُه بمرارة: “سامحنا… لم يعد معنا ما يكفي حتّى للفول والحمص.”

أغلق الباب، علّق المفتاحَ على الحائط، وبكى.

في طرابلس، شابٌّ كان يحلمُ بإطلاقِ شركةِ برمجياتٍ ناشئة، حوَّل مكتبَه إلى غرفةِ نومٍ لعائلته النازحة من الجنوب.

اليوم، يعملُ عن بُعدٍ ببطاقةِ شحنِ إنترنتٍ لا تكفي إلّا لساعتين في اليوم، بينما يحاولُ أن يُنقذ ما تبقّى من حلمه.

هذه ليست مشاهدَ من فيلمٍ وثائقي.

هذه تفاصيلُ يومٍ عاديٍّ في لبنان… في عام 2026.

هنا يفرضُ السؤالُ نفسَه، ثقيلًا كالرصاص:

كلُّ هذه المعاناة… لِمَن؟ ولأجلِ ماذا؟

ومضةٌ من المستقبل… لا لنحلم، بل لنفهم

تخيّلوا مؤرّخًا مجهولًا يكتبُ من عام 2035: “في العقدِ الثالثِ من الألفية، كان اللبنانيون يظنّون أنّ عدوَّهم هو الطائفةُ الأخرى.

لكن حين درستُ وثائقَ تلك المرحلة، وجدتُ الحقيقةَ الأكثر قسوة:

كلُّ طائفةٍ كان أبناؤها يُقتلون على يدِ زعماءِ طائفتهم أنفسهم، أو بشراكةٍ مع زعماءِ الطوائف الأخرى.

لم يكن هناك عدوٌّ خارجيٌّ وحده… بل كان هناك تحالفٌ داخليٌّ على المال والسلطة، يتخفّى برداءِ الطائفية.”

هذه ليست نبوءة، وليست حبكةً روائية.

إنّها المرآةُ التي نخافُ أن ننظرَ إليها.

لسنا بحاجةٍ إلى مؤرّخٍ من المستقبل كي نفهم ما يجري، بل نحن بحاجةٍ إلى شجاعةِ الاعتراف.

من هو العدو الحقيقي؟

كلُّ لبنانيٍّ يعرفُ الجوابَ في داخله، لكنّ الخوفَ، والوراثةَ السياسية، والولاءاتِ المعلّبة، تمنعُه من قولِه بصوتٍ عالٍ.

الشيعيُّ الذي نزح من الضاحية أو الجنوب أو البقاع…

هل عدوُّه هو المسيحيُّ في جونية؟

أم أنّ عدوَّه الحقيقيَّ هو من حوَّله إلى وقودٍ في مشروعٍ إقليميٍّ لا يشبهه، وأبقى دولتَه ضعيفةً كي تبقى سلطتُه أقوى؟

المسيحيُّ الذي أقفل معملَه في بكفيا أو المتن…

هل عدوُّه هو المسلمُ في طرابلس أو صيدا؟

أم أنّ عدوَّه هو من تاجرَ باسمِه، وخوَّفه من الآخر، ثمّ اقتسم معه الدولةَ كغنيمة؟

السنّيُّ الذي هاجر من عكار أو بيروت أو البقاع…

هل عدوُّه هو الشيعيُّ في الضاحية؟

أم أنّ عدوَّه هو من باع أحلامَه، وربط مستقبلَه بلعبةٍ إقليميةٍ أكبر منه، وتركه فريسةً للفقر والهجرة والانكسار؟

الدرزيُّ في الشوف أو عاليه…

هل عدوُّه هو جارُه المختلف؟

أم أنّ عدوَّه هو من حوَّل الطائفةَ إلى إقطاعٍ سياسيٍّ، وحاصرها بين زعاماتٍ متنازعة بدل أن يفتح لها أفقَ الدولة؟

الحقيقةُ التي يجب أن تصلَ إلى كلِّ بيت، مهما كانت قاسية، زعيمُ طائفتك هو أوّلُ من خانك.

هو من أبقى الدولةَ ضعيفةً ليبقى قويًا.

هو من شرعن الفسادَ ليضمن تمويلَه.

هو من قدَّم ولاءَه للخارج على مصلحة أبناء بيئتِه.

وهو من أقنعك أنّ خوفك من اللبنانيّ الطائفيّ أهمّ من خوفك منه.

الأخطر أنّ هؤلاء جميعًا، على اختلاف ألوانهم وخطاباتهم وشعاراتهم، متّفقون على شيءٍ واحد: أن تبقى اللعبة كما هي.

هم ليسوا خصومًا كما يُقنعون جمهورهم، بل هم، في العمق، حزبٌ واحدٌ بأسماءٍ متعدّدة: حزبُ المصالح السرطانية.

ما علاقة مضيق هرمز بوجع اللبناني؟

قد يسأل البعض، ما علاقة نزوح العائلات، وإقفال المطاعم، وانهيار الأعمال، بصراعٍ على مضيقٍ في الخليج؟

الجوابُ بسيطٌ ومؤلم: لأنّ الحربَ التي نعيش ارتداداتها اليوم ليست حربَ لبنان أصلًا.

إنّها جولةٌ ضمن صراعٍ أكبر، صراعٌ أمريكيٌّ إيرانيٌّ على النفوذ والهيمنة وموازين الردع.

في هذا المشهد، تحوَّل لبنان، مرّةً جديدة، إلى ساحة، وتحوَّل بعض أبنائه إلى أوراقِ تفاوض، وبعض مناطقه إلى رسائلَ بالنار.

حين يُطرح مضيقُ هرمز عنوانًا استراتيجيًا عالميًا، وتُقرأ تحليلاتٌ مثل مقاربةِ راي داليو حول أنّ فقدان السيطرة عليه قد يُحدث زلزالًا في موازين القوى والاقتصاد العالمي، يجب أن نفهم أنّ لبنان ليس بعيدًا عن هذا المشهد، بل هو من أكثر ساحاته هشاشة.

لكن الحقيقةَ الأخطر تبقى في الداخل، ما كان لأيِّ طرفٍ أن يجرَّ لبنان إلى هذا المستوى من الانكشاف، لولا التواطؤُ الداخلي.

لولا منظومةُ الطوائف، لولا التسويات، لولا الغطاءُ المتبادل، لولا أنّ كلَّ فريقٍ قدَّم “مصلحتَه” على الدولة، لما صار لبنان مكشوفًا إلى هذا الحد.

كلُّ قذيفةٍ تُطلق، كلُّ صاروخٍ يُردّ عليه، كلُّ بيتٍ يُهدم، كلُّ عائلةٍ تُهجَّر، كلُّ مشروعٍ يُقفل…

هو ثمنٌ يدفعه المواطنُ اللبناني، لا من قرّر اللعبة، بل من علق فيها.

الاقتصاد يموت… والحصص تبقى

بلدٍ طبيعيٍّ حين ينهار الاقتصادُ تسقطُ المنظومة، أمّا في لبنان فينهار الناس وتبقى الحصص.

خلال الأشهر الأخيرة، آلافُ المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة أغلقت أبوابها، حتّى في المناطق التي كانت تُعدّ “أكثر أمانًا”.

البطالةُ بين الشباب بلغت مستوياتٍ كارثية.

نسبةُ الفقر أصبحت واقعًا يوميًا يطال غالبية اللبنانيين، لا مجرّد رقمٍ في تقرير.

لكن لنكن صريحين، الحربُ ليست السببَ الوحيد، بل كانت الضربةَ الأخيرة فقط.

أمّا الجريمةُ الأصلية فهي أقدمُ وأعمق، نظامٌ مصرفيٌّ نهب أموالَ الناس وسمّاه “إدارةً نقدية”.

كهرباءُ ابتلعت ملياراتِ الدولارات ولم تُنر بيتًا كما يجب.

دولةُ محاصصةٍ دمّرت المؤسّسات وحوّلت الإدارةَ إلى مزرعة.

مرفأٌ انفجر… ولم تنفجر معه منظومةُ الإفلات من العقاب.

من استفاد؟

نفسُ الأحزاب الطائفية.

من دفع الثمن؟

المواطنُ العاديّ… من كلّ الطوائف.

الوقت لم يعد يسمح بالمجاملة

لم نعد أمام أزمةٍ سياسية، ولا أمام خلافٍ دستوري، ولا أمام سوء إدارةٍ عابر.

نحن أمام نظامٍ كاملٍ يأكل أبناءه.

إمّا أن نستمرّ في هذه اللعبة حتّى آخر لبناني، أو نقرّر، أخيرًا، تغيير القواعد.

لا دولةَ مع الطائفية.

لا سيادةَ مع المحاصصة.

لا مستقبلَ مع زعاماتٍ تتاجر بالخوف، وتبيع الدم، وتشتري الوقت على حساب الناس.

ما نسمّيه “توافقًا” هو في الحقيقة احتكارٌ للقرار.

ما نسمّيه “تمثيلًا” هو غالبًا استثمارٌ في المخاوف.

ما نسمّيه “حمايةً للطائفة” هو في كثيرٍ من الأحيان تجويعٌ للطائفة نفسها.

من أين يبدأ الخلاص؟

الطريقُ ليس سهلًا… لكنّه واضح: أن يعترفَ كلُّ لبنانيٍّ بأنّ عدوَّه الأوّل ليس ابنَ الطائفة الأخرى، بل من استثمر في طائفته ضد وطنه.

أن نرفع الغطاءَ الشعبيَّ عن كلّ من حوّلنا إلى أدواتٍ في مشاريع إيران، وأمريكا، والسعودية، وقطر، وسواها.

أن نبني ثقافةَ مواطنةٍ لا تسأل: “من أيّ طائفةٍ أنت؟” بل تسأل: “أيُّ دولةٍ نريد؟”

أن نطالبَ بدولةِ قانون، وسلاحِ دولة، وعدالةٍ واحدة، وثروةٍ عامةٍ تُدار لمصلحة الناس لا لمصلحة الزعامات.

أن نفهم أنّ التغيير لا يبدأ من المؤتمرات الدولية، ولا من بيانات السفراء، ولا من نتائج معارك الخارج، بل يبدأ من قرارٍ داخليٍّ شجاع: كلٌّ في بيئته، كلٌّ في بلدته، كلٌّ في عائلته… أن يقول: كفى.

كلمة أخيرة: لِمَن نقتل ولِمَن نموت؟

هذه الكلماتُ تُكتب في لحظةِ ألمٍ جماعي.

عائلاتٌ تدفن أبناءها في الجنوب، والبقاع، والضاحية.

عائلاتٌ أخرى تدفن أحلامها في بيروت، والشمال، والجبل، وزحلة، وصيدا، وكلّ زاويةٍ في هذا الوطن.

قد تختلف الجغرافيا، لكنّ الضحية واحدة.

كلّهم ضحايا نظامٍ واحد.

إذا كان لا بدّ من معركة، فلتكن معركتُنا ضدّ الفساد الطائفي.

إذا كان لا بدّ من مواجهة، فلتكن مواجهةً من أجل دولة المواطنة، لا من أجل أوهام المقاومة الزائفة، ولا رهانات الخارج، ولا أسواق الدم.

الآيةُ التي نردّدها كثيرًا: “إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم” ليست فقط موعظة، بل قانونُ حياة.

لن يحرّرنا أحدٌ من طائفيتنا إن لم نحرّر أنفسنا منها.

لا أمريكا، ولا إيران، ولا المؤتمرات، ولا الوسطاء، ولا البيانات الدولية.

اليوم، بينما تقرأ هذه السطور، هناك عائلةٌ تغادر منزلها،و صاحبُ عملٍ يطفئ أنوار عمره، وطفلٌ يسأل أمَّه: “ليش نحنا عم نتهجّر؟”

السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحصل؟

السؤال هو: متى نقرّر أن نكون نحن الجواب؟

لبنان ليس أرضًا للبيع.

الشعب اللبناني ليس وقودًا لمشاريع أحد.

حان الوقت… أن نستعيد وطننا من أيدي من سرقوه باسم الطائفة، وباعوه باسم الحماية، ودمّروه باسم السياسة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com