لم يعد السؤال من يحكم، بل كيف يُحكم…

بقلم البيروتي – خاص بوابة بيروت

تشير مجريات جلسة الحكومة الأخيرة إلى تحوّلٍ لافت في طبيعة المواجهة السياسية داخل الدولة، حيث لم يعد الانقسام مقتصرًا على تباين في وجهات النظر، بل بات صراعًا واضحًا بين منطق الدولة ومنطق التعطيل. فغياب وزراء “الثنائي الشيعي” عن الجلسة لا يمكن قراءته كخطوة تكتيكية عابرة، بل يعكس تموضعًا سياسيًا يبتعد تدريجيًا عن إطار المؤسسات الدستورية.

يكشف هذا الغياب، من حيث الشكل والمضمون، عن معضلة أعمق تتصل بمفهوم الشراكة في الحكم. إذ إن المشاركة في السلطة تقتضي الحضور والمواجهة والحوار، لا الانكفاء عند كل استحقاق مصيري. ومن هنا، يبدو أن قرار المقاطعة لم يكن وسيلة ضغط بقدر ما هو تعبير عن عجزٍ عن خوض نقاش سيادي ضمن الأطر الشرعية، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول مدى الالتزام بقواعد العمل الديمقراطي.

يُظهر المشهد كذلك أن تعطيل المؤسسات لم يعد وسيلة استثنائية، بل تحوّل إلى نهجٍ متكرر يُستخدم كلما تعارضت القرارات مع حسابات إقليمية أو مصالح خارجية. وهذا السلوك لا يؤدي فقط إلى إبطاء عمل الدولة، بل يضرب ثقة المواطنين بها، ويكرّس صورة العجز والتبعية في آنٍ معًا.

يبرز في المقابل مسارٌ آخر يسعى إلى الحفاظ على الحد الأدنى من انتظام العمل الحكومي، رغم العراقيل. هذا المسار، على هشاشته، يعكس إرادة داخلية لإبقاء مؤسسات الدولة قائمة، ولو بقدرات محدودة، في مواجهة محاولات الشلل المتعمد.

تفرض هذه المعادلة واقعًا دقيقًا، حيث لم يعد السؤال من يحكم، بل كيف يُحكم، وبأي منطق تُدار الدولة. وبين من يختار المواجهة داخل المؤسسات ومن يفضّل الانسحاب منها، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، التي ستبقى رهينة القدرة على ترسيخ مفهوم السيادة كمرجعية لا كخيار انتقائي.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com