بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت
في خضمّ النقاش المتصاعد حول مستقبل “حزب الله”، يتركّز الجدل غالبًا على جناحيه العسكري والسياسي. البعض يدعو إلى تفكيك ترسانته العسكرية، وآخرون يطالبون بحلّ جناحه السياسي. لكن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تبدو قاصرةً إذا تجاهلت البنية الأعمق والأخطر، المنظومة التربوية والاجتماعية التي تُنتج الفكر قبل أن تُنتج المقاتل.
الحقيقة التي يتجنّب كثيرون قولها بوضوح هي أنّ أيّ تنظيمٍ أيديولوجي لا يعيش فقط بالسلاح، بل بالعقول التي يُعاد تشكيلها جيلًا بعد جيل. وفق تقارير متعددة، يدير الحزب شبكةً واسعةً من المؤسسات التعليمية والاجتماعية، من بينها مدارس المهدي، التي تضمّ آلاف الطلاب في لبنان. هذه المؤسسات ليست مجرّد مدارس تقليدية، بل بيئات تُزرع فيها منظومة فكرية مغلقة تقوم على الولاء العقائدي قبل الانتماء الوطني.
تخيّل المشهد، طفلٌ في السابعة من عمره يُسأل عن حلمه في المستقبل، فيجيب بثقة، “أريد أن أصبح شهيدًا”. هذه ليست جملةً عابرة، بل نتيجة عملية تربوية ممنهجة. عندما يصبح الموت هدفًا، والحياة وسيلة، نكون أمام خللٍ عميقٍ يتجاوز السياسة إلى صلب الإنسانية.
تشير دراسات في علم الاجتماع السياسي إلى أنّ الجماعات المؤدلجة التي تستثمر في التعليم تضمن استمراريتها لعقود. فالمقاتلون الحاليون، كما هو معروف، إمّا سقطوا في المعارك أو سيتقاعدون خلال سنوات.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في الأجيال القادمة التي يتم إعدادها اليوم. إذا كان هناك آلاف الأطفال يتلقّون هذا النوع من التعليم سنويًا، فنحن أمام دورة إنتاجٍ مستمرة قد تُفرز بعد عشرين عامًا جيلًا جديدًا أكثر تشدّدًا وتنظيمًا.
من هنا، فإنّ التركيز الحصري على السلاح أو التمثيل السياسي يشبه معالجة الأعراض وترك المرض. الحلّ الجذري يبدأ من تفكيك البنية التربوية التي تُعيد إنتاج الأزمة. إقفال المؤسسات التعليمية التي تروّج لثقافة الموت، وإخضاع المناهج لرقابة وطنية صارمة، ليس استهدافًا لفئة، بل حمايةٌ لمستقبل مجتمعٍ بأكمله.
الأرقام العالمية تدعم هذه الفكرة. في تجارب دول خرجت من نزاعاتٍ مسلّحة، مثل كولومبيا وسيراليون، كان إصلاح التعليم وإعادة دمج الأطفال في منظومة تعليمية وطنية من أهمّ عوامل خفض العنف بنسبةٍ تجاوزت 40% خلال عقدٍ واحد، لأنّ تغيير الفكر يسبق تغيير الواقع.
المسألة ليست صراعًا سياسيًا فحسب، بل معركةٌ على هوية الأجيال القادمة. إمّا أن نواجه هذه المنظومة الفكرية اليوم، أو ندفع ثمنها مضاعفًا غدًا. فالأطفال الذين يُربَّون على فكرة الشهادة كغاية، لن يكونوا يومًا دعاة حياة.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس، هل يجب حلّ الجناح العسكري أو السياسي؟ بل: كيف نمنع ولادة الجناح القادم؟