استهداف الجامعات… اغتيالٌ للعقل قبل الحجر

خاص بوابة بيروت

في عالمٍ يُفترض أن يكون العلم فيه خط الدفاع الأول عن مستقبل الشعوب، نجد أنفسنا اليوم أمام واقعٍ صادم، حيث لم تعد الحروب تكتفي بتدمير الحجر والبشر، بل امتدت لتطال الفكر والمعرفة. لقد كانت الجامعات عبر التاريخ رمزًا للنور والتقدم، ومراكز لصناعة الوعي وبناء الإنسان، لكنها باتت اليوم مهددة في قلب صراعاتٍ لا تعترف بقيمة العلم ولا بحرمة مؤسساته. فهل وصلنا فعلًا إلى مرحلةٍ أصبح فيها استهداف الجامعات أمرًا ممكنًا، بل ومبررًا في منطق الحروب؟

لقد شكّلت الجامعات الأميركية في العالم العربي، وخصوصًا في لبنان، ركيزةً أساسية في نهضة المجتمعات. فمنذ تأسيسها في القرن التاسع عشر، ساهمت هذه المؤسسات في نشر التعليم الحديث، وتعزيز البحث العلمي، وبناء أجيالٍ من المثقفين والمفكرين الذين لعبوا أدوارًا محورية في تطوير بلدانهم. لم تكن هذه الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت منصاتٍ للحوار والانفتاح، وجسورًا للتواصل الثقافي والمعرفي بين الشرق والغرب.

وفي هذا السياق، تبرز الجامعة الأميركية في بيروت، التي شكّلت منذ تأسيسها منارةً علمية في المنطقة، وأسهمت في تخريج نخبة من القادة والمفكرين والأطباء والمهندسين الذين لعبوا أدوارًا أساسية في بناء لبنان والعالم العربي. كما لا يمكن إغفال دور كلية البنات الأميركية في بيروت “BUC”، التي عُرفت لاحقًا بالجامعة اللبنانية الأميركية “LAU”، والتي كانت رائدة في تعليم المرأة وتمكينها، ووسّعت لاحقًا برامجها لتشمل مجالات متعددة كالفنون والعلوم السياسية والطب والهندسة المعمارية.

لقد استطاعت هاتان الجامعتان أن تُخرِّجا أجيالًا من الطلاب الذين لم يقتصر تأثيرهم على لبنان فحسب، بل امتد إلى العالم، حيث ساهم خريجوهما في تطوير مجالات متعددة، وشاركوا في نهضة علمية وثقافية عربية وعالمية. لقد كانتا، ولا تزالان، مثالًا حيًا على دور التعليم في صناعة التغيير الإيجابي وبناء مجتمعات أكثر تقدمًا وانفتاحًا.

لكن اليوم، ومع تصاعد النزاعات الإقليمية، نشهد تحولًا خطيرًا يتمثل في استهداف الفكر والعلم. فحين تُضرب الجامعات أو تُهدد، لا يكون الهدف مجرد مبانٍ أو مؤسسات، بل يُستهدف العقل ذاته، ويُضرب أساس التقدم. وما نشهده من تبادلٍ للتهديدات، وصولًا إلى الحديث عن استهداف جامعات، يعكس انحدارًا خطيرًا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد هناك خطوطٌ حمراء تحمي العلم وأهله.

إن ضرب الجامعات أو التلويح باستهدافها لا يخدم أي قضية، بل يفتح الباب أمام مزيدٍ من الجهل والتراجع. فالجامعات ليست أدواتٍ سياسية ولا ساحاتٍ عسكرية، بل هي ملكٌ لأبناء الوطن، وهي التي تصنع الأطباء والمهندسين والمعلمين الذين تحتاجهم المجتمعات للنهوض من أزماتها.

هل أصبحنا في زمنٍ تُحارب فيه الفكرة بدل أن تُناقش؟ وهل بات التطور العلمي عدوًا يُستهدف بدل أن يُحمى؟ إن هذه الأسئلة لم تعد مجرد تأملات، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه بقوة.

إن التاريخ يعلّمنا أن الحروب لا تجلب إلا الدمار، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر. أما استهداف التعليم، فهو مضاعفةٌ للخسارة، لأنه لا يدمر الحاضر فقط، بل يسرق المستقبل أيضًا. فحين تُهدد الجامعات، يُهدد معها حلم كل شابٍ وشابة في التعلم والتقدم.

إن حماية الجامعات ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية. فهي الحصن الأخير للفكر الحر، وهي الأمل في بناء مستقبلٍ أفضل. ومن هنا، فإن أي تهديدٍ لها، أيًّا كان مصدره، لا يخدم إلا الجهل، ولا يضر إلا أبناء هذه الأوطان.

فإلى أين تأخذنا هذه الحروب؟ وإلى متى يبقى العلم ضحيةً لصراعاتٍ لا ترحم؟ وهل من يسمع قبل أن نخسر ما تبقى من منارات النور؟

إن الجواب يبدأ بإدراك بسيط، لا يمكن لأمةٍ أن تنهض وهي تحارب علمها، ولا يمكن لمستقبلٍ أن يُبنى على أنقاض جامعاته.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com