بين القدس الممنوعة ولبنان المصلوب… أي مقاومة هذه؟

من يُحاسَب على ثلاثين عامًا من الصمت والتسويات؟

خاص بوابة بيروت

في أحد الشعانين، فيما تُمنع الصلاة في القدس، ويُحاصر المؤمنون في أقدس لحظات الرجاء، يقف لبنان أيضًا مصلوبًا على خشبة الحروب المفتوحة، والصفقات الصامتة، والتسويات التي قتلت الدولة باسم التوازن، وقتلت السيادة باسم المقاومة.

فأي مقاومة هذه، إذا كانت القدس نفسها ممنوعة، ولبنان نفسه مصلوبًا، والدولة نفسها مخطوفة؟

ما نعيشه اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، ولا مجرد فصل إضافي من صراع إقليمي طويل. ما نعيشه هو النتيجة المباشرة لثلاثين عامًا من الصمت، والتواطؤ، وترك لبنان يُختطف تدريجيًا من داخل مؤسساته، ومن داخل وعي جزءٍ من شعبه أيضًا.

لبنان لا يحترق لأنه بلد صغير وضعيف فقط، بل لأنه تُرك لعقود رهينة سلاحٍ لا يخضع للدولة، وسياسيين باعوا السيادة تحت عناوين كاذبة، ومشروعٍ خارجيّ حوّل الوطن إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.

منذ سنوات طويلة، تُركت مساحات واسعة من هذا البلد، تحت الأرض وفوقها، مستباحة لتخزين السلاح، وبناء منظومة موازية للدولة، فيما الطبقة السياسية اللبنانية كانت تعرف، وتسكت، وتساوم، وتتقاسم الحصص على أنقاض الجمهورية.

والأخطر من كل ذلك، أنّ هذا المشروع لم يكتفِ ببناء قوة عسكرية خارجة عن الشرعية، بل عمل على بناء عقيدة سياسية مغلقة، نجحت في غسل أدمغة جيلٍ كامل، عبر منظومة تعبئة نفسية وفكرية جعلت كثيرين يسيرون خلفه على العمياني، تحت شعارات “المقاومة”، و”التحرير”، و”القدس”، فيما الواقع أمام أعيننا يقول شيئًا آخر تمامًا.

أي مقاومة هذه التي جعلت لبنان ساحة دائمة للدمار؟ وأي تحرير هذا الذي أبقى الدولة معطلة، والمؤسسات مخترقة، والناس مسحوقة بين الفقر والخوف والهجرة؟ وأي قدس هذه التي يُقال إن الطريق إليها يمرّ من بيروت والجنوب، فيما القدس نفسها تُمنع فيها الصلاة، والمقدسات تُستباح، وشعوب المنطقة تُستنزف باسم شعارات لم تحمِ أحدًا؟

الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي الآتية: المعركة في لبنان لم تعد فقط مع إسرائيل.

المعركة الحقيقية هي لاستعادة قرار الدولة من المشروع الإيراني، ومن الطبقة السياسية اللبنانية التي سمحت له أن يتغلغل في المؤسسات، والإدارة، والاقتصاد، وحتى في الوعي العام، طوال عقود.

من حق اللبنانيين اليوم، ومن صميم العروبة الحقيقية والمواطنة الصادقة، أن يطالبوا بوضوح بـ نزع سلاح إيران من أيدي الحزب، لأن هذا السلاح لم يعد يُستخدم لحماية لبنان، بل بات الذريعة الدائمة لتدميره، وتعطيل قيام الدولة فيه، وربط مصيره بحسابات الحرس الثوري الإيراني، لا بالمصلحة الوطنية اللبنانية.

أما الحديث عن أنّ القرار بيد الحزب، فقد سقط منذ زمن. فهذا التنظيم لم يعد أكثر من وسيطٍ محليّ في مشروعٍ إقليميّ أكبر منه، يخضع في جوهره لقيادة الحرس الثوري الإيراني، ويُستخدم ضمن معادلات تفاوضية وعسكرية لا يملك اللبنانيون فيها قرارًا ولا رأيًا.

والنتيجة؟ وطنٌ يُدمَّر، دولةٌ تُشلّ، مجتمعٌ يُستنزف، وشعبٌ يُطلب منه كل مرة أن يصفّق للموت تحت عنوان “الصمود”.

ما يحصل اليوم يُعيد إلى الذاكرة بوضوح مشهد الثورة. أسقط اللبنانيون حكومة سعد الحريري، واعتقد كثيرون أنّ باب التغيير فُتح. لكننا لم نستطع أن نكمل بالزخم نفسه. ليس فقط بسبب الطابور الخامس، بل أيضًا بسبب قلة الوعي، وغياب الخطة البديلة، وعدم القدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع حكم فعلي قادر على إدارة الدولة، ومواجهة المنظومة، واستعادة المؤسسات.

وهنا تحديدًا، دخلت البلاد في الفراغ الذي استغلّته المنظومة مجددًا. عادت الطوائف لتبتلع الدولة. وعادت الزعامات لتُعيد ترتيب مصالحها. وبقي السلاح فوق كل شيء.

اليوم، علّق كثير من اللبنانيين آمالهم على العهد الجديد، وعلى خطاب القسم الذي أعاد للناس شيئًا من لغة الدولة، والكرامة الوطنية، واستعادة الشرعية. كما وضعوا أملًا على حكومة الرئيس نواف سلام، باعتبارها فرصة مختلفة لإعادة الإمساك بزمام الأمور، ولو متأخرة.

لكن الحقيقة أيضًا أنّ الخطاب وحده لا يكفي. فالعمل على الأرض أصعب بكثير من أي خطاب، مهما كان صادقًا. لأنّ الدولة اللبنانية لم تُختطف في يومٍ واحد، ولن تُستعاد في يومٍ واحد.

لقد تُركت لعقود تحت هيمنة المحاصصة الطائفية، والفساد الممنهج، والاختراق الإداري والسياسي، والسلاح الموازي، حتى أصبحت نسبة كبيرة من بنيتها أسيرة شبكة مصالح متجذّرة، لا دولة فعلية.

ومع ذلك، فإنّ هذه اللحظة قد تكون الفرصة الأخيرة.

الفرصة الأخيرة لكي تترجم الدولة خطاب القسم إلى أفعال. الفرصة الأخيرة لكي تقول الحكومة بوضوح إنّ قرار الحرب والسلم يجب أن يعود للدولة وحدها. الفرصة الأخيرة لكي يبدأ مسار حقيقي لتفكيك المحاصصة، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم.

فهل تملك الحكومة الشجاعة والقدرة على ذلك؟ هل تستطيع أن تحمي البلد أولًا من الداخل، قبل أن تطلب من الخارج أن يتوقف عن استخدامه؟ هل تجرؤ على مواجهة المنظومة الطائفية التي نهبت الدولة، كما تجرؤ على تسمية السلاح الذي صادرها؟

هذا هو السؤال الحقيقي اليوم.

لكن ما حسم المشهد أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط الحرب نفسها، بل الانقسام الذي بدأ يظهر بوضوح داخل البيئة الشيعية، وانكشاف حدود المشروع الإيراني في لبنان، بالتوازي مع الرسائل السياسية التي حملها اجتماع معراب، وما تبعه من موجة تخوين ممنهجة ضد كل مواطن يطالب بسيادة الدولة.

من اجتماع معراب إلى الفيديوهات التي خرجت اليوم من محور الممانعة، تكشّفت المفارقة الأخطر: لا أحد يملك حق احتكار الوطنية، ولا أحد يملك حق توزيع صكوك التخوين على اللبنانيين، ولا أحد صار “أشرف” من غيره فقط لأنه يرفع شعار المقاومة، فيما الواقع يثبت أنه يعمل ضمن مشروعٍ لم يعد لمصلحة لبنان.

فالوطنية لا تُقاس بالصراخ، ولا بالشعارات، ولا بحجم التخوين. الوطنية تُقاس فقط بسؤال واحد: من يعمل فعليًا لمصلحة لبنان؟

وهنا يصبح من المشروع، بل من الواجب، أن يُقال بوضوح: إذا كان المواطن الذي يطالب بسيادة الدولة، وقرار الحرب والسلم بيد الشرعية، يُتَّهَم اليوم بالخيانة… فمن يُحاسب الذين غطّوا ثلاثين عامًا على سلاحٍ خارج الدولة؟ من يُحاسب الذين شاركوا في التسويات، وباركوا الصمت، وتقاسموا السلطة وفق منطق “ستة مكرر” السياسية، حيث كان الممنوع الوحيد هو الاقتراب من السلاح، فيما كل شيء آخر كان مباحًا: الدولة، المؤسسات، المال العام، ومصير الناس؟

المفارقة أنّ من يرفعون اليوم راية التخوين، هم أنفسهم، مع شركائهم في السلطة، أساسًا في غضّ النظر عن هذا السلاح طوال عقود.

ثلاثون سنة كاملة، كان فيها الجميع يعرف حدود اللعبة، ممنوع المسّ بالدويلة، ومسموح نهب الجمهورية. ممنوع فتح ملف القرار السيادي، ومسموح توزيع الحصص بين أطراف السلطة. ممنوع مساءلة السلاح، ومسموح تحميل الشعب وحده كلفة الانهيار.

واليوم، بعدما بدأ الانقسام يظهر داخل البيئة الشيعية نفسها، وبعدما بات واضحًا أنّ جزءًا متزايدًا من اللبنانيين، من مختلف الطوائف، لم يعد يقبل أن يبقى البلد رهينة مشروعٍ إيرانيّ فوق الدولة، عاد محور الممانعة إلى سلاحه القديم:
التخوين بدل المحاسبة، والتهويل بدل المراجعة، والاتهام بدل الاعتراف.

لكن الحقيقة باتت أوضح من أي وقت مضى، اللبناني الذي يطالب بدولة ليس خائنًا. الخيانة الحقيقية هي في ترك الدولة تُختطف، والسيادة تُصادر، والسلاح يتحوّل من ذريعة حماية إلى أداة تعطيل وابتزاز ودمار.

من اجتماع معراب إلى خطاب التخوين، سقط القناع مجددًا، المشكلة لم تكن يومًا في من طالب بالدولة… بل في من عطّلها، وغطّى السلاح، ثم خرج اليوم يتّهم الناس بالخيانة لأنهم قرروا أخيرًا أن يقولوا: كفى.

في أحد الشعانين، وبين القدس الممنوعة ولبنان المصلوب، لا يحتاج اللبنانيون إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قيامة دولة. دولة تُحاسب من صمت، ومن غطّى، ومن ساوم، ومن باع السيادة على مذبح التسويات. دولة لا يُخوَّن فيها المواطن لأنه يطالب بالشرعية، بل يُحاسَب فيها من صادرها.

فإمّا أن تكون هذه اللحظة بداية خلاصٍ وطنيّ حقيقي، وإمّا أن يبقى لبنان يدفع ثمن ثلاثين عامًا من الكذب السياسي، والسلاح الموازي، والتسويات القاتلة.

لبنان لا يحتاج إلى عروبة انتقائية، ولا إلى مقاومة موسمية، ولا إلى وطنية تُستخدم عند الحاجة ثم تُباع في أول تسوية. لبنان يحتاج إلى محاسبة. إلى مصارحة. إلى شجاعة وطنية تُنهي ثلاثين عامًا من الصمت والتسويات القاتلة. لبنان يحتاج إلى دولة واحدة، وقرار واحد، وجيش واحد، وولاء واحد: للبنان فقط.

أما ما تبقّى من هذه الطبقة السياسية، التي ساومت على الأرض والعِرض، وشرّعت للحروب على أرضنا، وسكتت عن خراب الجمهورية، فلا يحق لها بعد اليوم أن تتحدث باسم الوطن.

يا رب، خلّص لبنان من طبقةٍ باعت الدولة، ومن محورٍ صادر القرار، ومن شعبٍ خُدِّر طويلًا باسم شعارات لم تحمِ وطنًا ولا أنقذت إنسانًا. وأعطِ هذا البلد أخيرًا فرصة أن يعيش… كدولة، لا كساحة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com