مؤتمر معراب ٣ تحت أغصان الزيتون وسعف النخل وصرخات هوشعنا : إنقاذًا للبنان

خاص بوابة بيروت

السيادة ليست شعارًا بل قرار وعلى السلطة الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحلّ. وفي لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، أصرّ اللبنانيّون على الاحتفال بأحد الشعانين، ولاسيّما في القرى الجنوبية المسيحية الصامدة بالحقيقة والفعل لا بالأقوال والشعارات. فحملوا أغصان الزيتون كدلالة على ثقافة السلام والصمود الحقيقي في قراهم.

كما انعقد مؤتمر «معراب ٣» تحت عنوان واضح لا لبس فيه: «إنقاذًا للبنان». وهو عنوان لا يمكن فصله عن السياق السياسي والعسكري المتسارع، حيث يتقدم الميدان جنوبًا، وتتراجع فرص التفاوض، ويجد لبنان نفسه مرة جديدة رهينة صراع إقليمي يتجاوز قدرته على الاحتمال.

لقد أعاد المؤتمر طرح البديهيات التي حاولت المنظومة السياسية طويلاً القفز فوقها: لا دولة بلا سيادة، ولا سيادة مع سلاح خارج الشرعية، ولا استقرار في ظل ربط القرار اللبناني بمصالح الحرس الثوري الإيراني أو بمشاريع توسعية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية اللبنانية.

إن مقررات مؤتمر معراب ٣ لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الانهيار السياسي والاقتصادي والمؤسساتي، حيث بات واضحًا أنّ لبنان لا يستطيع الاستمرار كمنصة صراع أو ورقة تفاوض في يد طهران.

طرد السفير الإيراني: اختبار جدية الدولة والتمرّد الديبلوماسي الايراني مرفوض

يتقاطع انعقاد المؤتمر مع أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، تتمثل في انتهاء مهلة ترحيل السفير الإيراني من لبنان يوم الأحد، وسط معلومات عن رفضه المغادرة. وهذه الواقعة تتجاوز إطارها البروتوكولي لتطرح سؤالاً جوهريًا: هل تستطيع الدولة اللبنانية فرض قراراتها على أراضيها؟

إن قرار طرد السفير الإيراني، إن تم تثبيته وتنفيذه، يشكل خطوة أولى في مسار طويل لاستعادة القرار الوطني. فالدبلوماسية ليست مجرد تبادل سفراء، بل هي انعكاس لتوازن القوى داخل الدولة. وعندما تتحول السفارات إلى منصات تأثير مباشر على القرار السيادي، تصبح المعالجة واجبًا وطنيًّا لا خيارًا سياسيًّا.

أقفل الأسبوع الفائت على تمسّك الحكومة بقرار وزير خارجيتها المنسّق مع فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة. لكنّ رفض تنفيذه يجعل من السفير مجرّد مواطن إيراني بلا تأشيرة دخول شرعيّة بدءًا من صباح اليوم الاثنين، وهذا ما يساويه بضبّاط الحرس الثوري الذين يديرون الحرب الإيرانية – الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.مقابل عودة وزواء الثنائي إلى الحكومة على قاعدة تطبيق معادلة win win situation بانتظار الميدان داخليًّا.

الميدان جنوبًا: حين يصبح لبنان ساحة الآخرين

على وقع مقررات معراب، تتقدم الوقائع العسكرية جنوبًا بوتيرة متسارعة. فالمعلومات الدبلوماسية تشير بوضوح إلى أن إسرائيل غير معنية حاليًّا بوقف إطلاق النار قبل تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمها إنهاء القدرات العسكرية لـ«حزب الله» وتكريس واقع أمني جديد جنوب الليطاني. وهذا ما ترجمه الاسرائيلي بوصوله الى الليطاني عبر معبرين هما: الطيبة والقنطرة. مع سلسلة استهدافات من يحمر الى كفرتبنيت تكشف نيّته بالوصول إلى النبطيّة. مع وصوله إلى عيناتا تمهيدًا إلى تطويق مدينة بنت جبيل معقل منظمة حزب الله.

وهذا ما يترجمه الجيش الاسرائيلي الذي يعمل بتنفيذ قرار حكومته بتوسعة العمليات في لبنان من خلال جعل مسافة ما يقارب الكيلومتر إلى الثمانية مسافة مفتوحة للتحرّك المستمر، من دون التواجد الدائم فيها.ذلك كله على وقع ارتفاع عدد الجنود الاسرائيليين القتلى منذ ٢٧ يومًا إلى خمسة جنود وإصابة ثلاثين جنديًا حتى تاريخه، مع عدم مقارنة الخسائر البشرية والمادية من الجانب اللبناني.

الميدان التفاوضي من فرنسا إلى الولايات المتحدة قد أقفل

في المقابل، تصر إيران على ربط الجبهة اللبنانية بمسار تفاوضها الإقليمي، رافضة فصل لبنان عن صراعها مع الولايات المتحدة. وهنا تكمن المعضلة الأساسية: لبنان يقاتل في حرب ليست حربه، ويدفع ثمن حسابات تتجاوز حدوده.

لقد أُبلغ لبنان رسميًّا بأن أي مسار تفاوضي لن يُفتح قبل اتخاذ خطوات حاسمة لضبط السلاح الخارج عن الشرعية، فيما تبدو الاتصالات مع واشنطن مجمّدة، والمبادرة الفرنسية معلّقة، ما يترك البلاد في مواجهة مباشرة مع تداعيات التصعيد.

إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط حجم العمليات العسكرية، بل محاولة فرض وقائع جيوسياسية جديدة، عبر السعي إلى إنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني، بما يعيد رسم خريطة النفوذ في لبنان. وذلك كلّه على وقع تقدّم الاسرائيلي ميدانيًّا حتى بات

بين مشروع الدولة ومشروع المحور

ما طرحه مؤتمر معراب ٣ يتجاوز النقاش السياسي التقليدي، إذ يعيد وضع اللبنانيين أمام خيار واضح: إما دولة فعلية تحتكر قرار الحرب والسلم، أو استمرار الارتهان لمحور إقليمي يستخدم لبنان ساحة مواجهة متقدمة.

لقد أثبتت التجربة أن ربط لبنان بالمفاوضات الإيرانية لا يحميه، بل يجعله ورقة تفاوض قابلة للاستخدام والتبديل. فحين يصبح القرار العسكري خارج المؤسسات الدستورية، تتحول الدولة إلى مجرد شاهد على صراع لا تملك القدرة على ضبط مساره.

إن استعادة القرار الوطني لا تعني الانخراط في محاور مضادة، بل تعني ببساطة تطبيق الدستور والقرارات الدولية التي تنص على حصرية السلاح بيد الدولة، وهو المبدأ الذي يشكل حجر الأساس لأي عملية إنقاذ حقيقية.

الفرصة الأخيرة قبل ملء الفراغ السيادي بتدخّل خارجي أممي واضح

إن تلاقي مقررات معراب مع قرار طرد السفير الإيراني ومع الضغط الدولي المتزايد، قد يشكل لحظة نادرة لإعادة تثبيت موقع لبنان كدولة لا كساحة.

لكن هذه الفرصة قد تكون الأخيرة، لأن استمرار المراوحة سيؤدي حتمًا إلى فرض حلول من الخارج، سواء عبر الوقائع العسكرية أو عبر تسويات لا تراعي المصلحة الوطنية.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمع الدولي لا يتعامل مع الدول الضعيفة إلا من زاوية مصالحه، وأن الفراغ السيادي سرعان ما يُملأ بتدخلات خارجية.

وهذا على وقع تسريبات من بعض المصادر في البيت الأبيض للصحافة اللبنانية بأنّ التصعيد الأميركي في الشرق الأوسط قد انتقل إلى المرحلة الثانية بتوسيع الخيارات العسكرية توازيًا مع تزايد التهديدات الايرانية. على وقع دوزنة أميركية للمسار التصعيدي لمنع الانزلاق إلى حربٍ أشمل مع أرجحيّة واشنطن بتنفيذ “الضربة الحازمة” هذا الأسبوع لتعزيز موقع واشنطن عسكريًّا قبل أي مسار تفاوضي.

لبنان أمام لحظة الحقيقة بين لغة النار ولغة القرار

اليوم، يقف لبنان أمام لحظة شبيهة بمحطات مفصلية في تاريخه الحديث، حيث يصبح وضوح الخيارات ضرورة لا ترفًا. فإما أن يستعيد اللبنانيون دولتهم، أو يتركوا الآخرين يقررون مصيرها.

إن مؤتمر معراب ٣ ليس مجرد لقاء سياسي، بل محاولة لإعادة إطلاق فكرة الدولة، في مواجهة واقع يهدد بتحويل لبنان إلى منطقة نفوذ مفتوحة.

وإذا كان الميدان اليوم يتكلم بلغة النار، فإن السياسة مطالبة بأن تتكلم بلغة القرار. فالسيادة لا تُستعاد بالبيانات، بل بالأفعال.

وغدًا، سيكون الحكم على قدرة اللبنانيين على تحويل شعار «إنقاذ لبنان» إلى مسار فعلي يعيد للدولة حضورها، ويمنع سقوطها نهائيًّا في لعبة الأمم.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com