“حزب الله” بين واقع النكران ونكران الواقع

خاص بوابة بيروت

يعيش الحزب اليوم مرحلةً تُعد من أكثر مراحله تعقيدًا وحساسية، مرحلة تختلط فيها الحقائق بالإنكار، ويغدو فيها التمسك بالشعارات بديلاً عن مواجهة الوقائع. إنها لحظة تاريخية فارقة، تتطلب قراءة عميقة ومسؤولة لما آلت إليه الأوضاع، بعيدًا عن المكابرة أو الهروب إلى الأمام.

أول مظاهر هذه الأزمة يتمثل في فقدان القدرة على ضبط القاعدة الشعبية وأركان الحزب، نتيجة غياب القيادة المركزية الفاعلة، سواء بفقدان القيادات الكبرى أو غياب الصفين الأول والثاني الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للبنية التنظيمية. ومع هذا الفراغ القيادي، باتت شخصيات الحزب وكوادره أهدافًا مكشوفة، تتحول إلى نقاط ضعف بدل أن تكون عناصر قوة، في ظل تهديد أمني دائم لا يميز بين زمان ومكان.

أما على صعيد العلاقة مع المناصرين، فقد تراجعت الثقة بشكل ملحوظ. لم يعد الحزب قادرًا على إقناع جمهوره بقدرته على ردع العدو أو حتى الدفاع عن نفسه، فضلًا عن حماية الأرض التي طالما اعتُبرت عنوانًا للصمود. هذا التراجع في الثقة لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات من الإخفاقات والوعود غير المحققة.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع العجز الواضح عن إعادة إعمار ما تهدم، أو حتى تقديم الحد الأدنى من التعويضات للمتضررين والمناضلين. فالأوضاع المعيشية القاسية التي يعيشها هؤلاء، من فقدان المأوى إلى انعدام الموارد الأساسية، تكشف حجم الهوة بين الخطاب والواقع، وتضع الحزب أمام اختبار أخلاقي واجتماعي صعب.

‎إلى جانب ذلك، يعاني الحزب من أزمة مالية خانقة، نتيجة انقطاع مصادر التمويل، سواء الخارجية أو الداخلية. وقد أدى هذا الانقطاع إلى عجز عن دفع الرواتب أو تأمين الموارد التشغيلية، مما خلق فراغًا اقتصاديًا غير مسبوق داخل بيئته الحاضنة، وفتح الباب أمام حالة من التململ والاحتقان.

‎وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التحولات الإقليمية، حيث بات الداعم الأساسي منشغلًا بأزماته الداخلية، ساعيًا إلى الحفاظ على استقراره، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرته في تقديم الدعم العسكري أو المالي. هذا التحول وضع الحزب في عزلة نسبية، وتركه يواجه تحدياته منفردًا.

وقد تجلّى هذا الواقع بوضوح في مظاهرة الحمراء، حيث ارتفعت شعارات اتسمت بلهجة تهكمية حادة طالت رئيس الحكومة، ووصلت في بعض الأحيان إلى استخدام عبارات غير لائقة، ما عكس حالة الاحتقان والتفلت داخل القاعدة الشعبية. هذا المشهد استدعى تدخّل أحد نواب الحزب، الذي دعا صراحةً إلى عدم الانجرار وراء هذا النوع من الخطاب، مؤكدًا ضرورة تصحيح المسار، ومشددًا على أن مصلحة الحزب تكمن في الوقوف إلى جانب الدولة لا في مواجهتها، وأن العدو واحد، ولا يجوز تحويل البوصلة نحو الداخل أو الانحدار إلى خطاب يفتقر إلى المسؤولية.

كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى حالة من القلق داخل صفوف المناصرين، الذين وجدوا أنفسهم مكشوفين أمام المخاطر، بعد أن خسروا أراضيهم ومصادر رزقهم، وحتى الشعور بالأمان الذي كان يشكل أحد أهم دوافع انتمائهم.

‎وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري، كيف يمكن للحزب أن يصمد في ظل فقدان الشرعية السياسية، وتراجع الغطاء الشعبي والوطني، وانحسار النفوذ والقوة؟

الإجابة، على ما يبدو، تكمن في إعادة النظر الجذرية في المسار المتبع. فالحزب بات يدرك، أو يفترض به أن يدرك، أن مصلحته تكمن في الاندماج ضمن الدولة، والانخراط في شراكة حقيقية مع باقي مكونات المجتمع، من خلال التحول إلى كيان سياسي مدني، يضع السلاح جانبًا، ويعتمد العمل السياسي السلمي وسيلة لتحقيق أهدافه.

إن الاستمرار في النهج الحالي قد يقود إلى مزيد من العزلة والتآكل، بل وربما إلى فقدان القدرة على الاستمرار السياسي ذاته، في ظل ضغوط دولية متزايدة تسعى إلى إنهاء وجوده بصيغته الراهنة، وتغيرات إقليمية قد تعيد رسم موازين القوى بشكل جذري.

في المحصلة، لم يعد الإنكار مجديًا، ولم يعد بالإمكان تجاهل الواقع. فاللحظة تفرض قرارات شجاعة، تعيد تعريف الدور، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة، قد تكون الفرصة الأخيرة قبل فوات الأوان.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com