لبنان ما بعد الحرب معركة الوعي تبدأ من المدرسة ودور كبير لكشاف التربية الوطنية

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

في زمن ما بعد الحروب، لا تُقاس قوة الدول بعدد ما تملكه من سلاح، بل بقدرتها على إعادة تشكيل وعي أجيالها. ولبنان، الخارج مرارًا من رماد الصراعات، يقف اليوم أمام اختبار أخطر من إعادة الإعمار، اختبار إعادة بناء الإنسان اللبناني، فكرًا وهويةً وانتماءً.

لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس الدمار المادي، بل التشققات العميقة في الوعي الجمعي، حيث تتسلل الولاءات الضيقة لتحلّ محل الانتماء الوطني الجامع. وهنا تحديدًا، يصبح الاستثمار في التربية الوطنية ضرورة وجودية لا خيارًا تربويًا عابرًا.

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى إدخال كشافة التربية ضمن المنهج الرسمي في جميع مدارس لبنان، كإطار تربوي وطني موحّد، يُعنى ببناء الشخصية اللبنانية على أسس الانضباط، الخدمة العامة، روح الفريق، والانتماء الصادق للوطن. فالكشافة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل مدرسة موازية تُصقل فيها القيم، وتُزرع فيها مفاهيم المواطنة الحقيقية.

إن توحيد الإطار الكشفي تحت مظلة تربوية رسمية، يهدف أولًا إلى حماية الناشئة من التشتت الفكري، وثانيًا إلى تحصينهم ضد أي محاولات لجرّهم نحو ولاءات تتجاوز حدود الوطن. فحين يُترك المجال مفتوحًا أمام تعدد الكشافة ذات الطابع المؤدلج، تتحول الكشافة من مساحة جامعة إلى أداة انقسام، ومن وسيلة بناء إلى وسيلة توجيه أيديولوجي.

ولا يمكن تجاهل أن بعض التنظيمات الكشفية، مثل كشافة المهدي وكشافة الرسالة الإسلامية، تنطلق من خلفيات فكرية مؤدلجة، حيث يتم توظيف العمل الكشفي لخدمة مشاريع تتجاوز الهوية اللبنانية الجامعة، وتغرس في نفوس الأطفال والشباب مفاهيم قائمة على الانتماء الطائفي أو العقائدي العابر للحدود. وهنا تكمن الخطورة, حين يصل هؤلاء الشباب إلى الجامعات اللبنانية، لا يحملون معهم هوية وطنية جامعة، بل رؤى مجزأة تعمّق الانقسام بدل أن تعالجه.

في المقابل، تبقى الكشافة ذات الطابع الوطني اللبناني البحت، وعلى رأسها كشافة لبنان، نموذجًا لنشاط شبابي يمكن البناء عليه، لما تحمله من هوية جامعة ونهج غير مؤدلج يضع لبنان أولًا.

إن حماية لبنان تبدأ من حماية وعي أطفاله. ولا يمكن القبول بأن يكون الفضاء التربوي مفتوحًا أمام تعدد المرجعيات الفكرية المتناقضة، في وقت يحتاج فيه البلد إلى خطاب واحد جامع يعيد ترميم ما تكسّر. لذلك، فإن حصر العمل الكشفي المدرسي ضمن إطار وطني موحّد، مع تنظيم واضح يوقف نشاط الكشافة المؤدلجة داخل المدارس الرسمية خصوصًا حسب القانون، يشكل خطوة أساسية نحو بناء جيل يؤمن بلبنان أولًا وأخيرًا.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات المقنّعة بنشاطات شبابية، بل إلى مشروع وطني واضح يعيد تعريف الانتماء على أساس المواطنة لا الطائفة، وعلى أساس الدولة لا الجماعة. والكشافة، حين تُدار بروح وطنية صادقة، يمكن أن تكون إحدى أهم أدوات هذا المشروع.

فإما أن نُحسن تربية الجيل القادم على حب لبنان، أو نترك الآخرين يفعلون ذلك وفق حساباتهم الخاصة. وفي هذه المعركة، لا حياد ممكن.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com