طرد #السفير_الإيراني… بين سيادة الدولة ورسائل الجغرافيا السياسية

الدولة مجتمعة، لحظة نادرة من التماسك

الدولة مجتمعة، لحظة نادرة من التماسك

بقلم تريزيا رأشد – خاص بوابة بيروت

بدأت تتضح ملامح قرار طرد السفير الإيراني من لبنان بوصفه خطوة وُصفت بالشجاعة، ليس فقط من حيث مضمونها، بل من حيث صدورها عن الدولة مجتمعة، وهي عبارة تستحق التوقف عندها مليًا في السياق اللبناني، حيث نادرًا ما تجتمع مؤسسات الحكم على موقف خارجي واحد في ظل الانقسامات السياسية الحادة.

إن الإجماع الضمني الذي ظهر في هذا القرار يعكس تحوّلًا ملحوظًا في آلية إدارة التوازنات الداخلية، كما يوحي بأن الاعتبارات السيادية بدأت تتقدم “ولو جزئيًا” على حساب حسابات المحاور الإقليمية التي لطالما أثّرت في القرار اللبناني. فالدولة، عندما تتكلم بصوت واحد، ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل بأن منطق المؤسسات لا يزال قائمًا، وإلى الخارج بأن لبنان ليس ساحة مفتوحة بلا ضوابط.

تفاصيل الشقة… عندما تتحول الوقائع إلى مؤشرات

ترافق هذا القرار مع معطيات متداولة حول شقة مستأجرة بمبلغ مرتفع، وتحركات مرتبطة باسم مستأجر مسجّل باسم زوجته، إضافة إلى موقع الشقة الواقع أسفل مقر رئيس الجمهورية، وما أثير حول تردد شخصيات إليها من دون مواكبة أمنية رسمية – إن صحّت المعلومات المتداولة في بعض وسائل الإعلام.

هذه التفاصيل، على بساطتها الظاهرية، لا يمكن فصلها عن السياق الأمني والسياسي العام. ففي علم الاستخبارات، غالبًا ما تكون التفاصيل الصغيرة هي مفاتيح القراءة الكبرى. إن موقع الشقة بحد ذاته يمنحها دلالة رمزية وأمنية، خصوصًا إذا ثبت ارتباط المستهدف “وفق الرواية الإسرائيلية” بالحرس الثوري الإيراني.

ولا يمكن إغفال المقارنة التي أعادت إلى الأذهان حادثة اغتيال الرئيس بشير الجميل عام 1982 على يد حبيب الشرتوني، وهي واقعة لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية اللبنانية بوصفها مثالًا على اختراق أمني من داخل النسيج المدني.

ضربة محسوبة أم رسالة مركبة؟

تشير طريقة استهداف الشقة، بحسب ما تم تداوله، إلى أن العملية لم تهدف إلى إحداث دمار واسع، بل ربما سعت إلى تحقيق هدف محدد، كالحصول على معلومات أو توجيه رسالة دقيقة. فالضربات التي تتسم بالدقة العالية غالبًا ما تكون مصممة لتقول أكثر مما تُظهر.

وهنا يبرز سؤال تحليلي مشروع، هل أرادت إسرائيل إيصال رسالة مزدوجة مفادها أنها قادرة على الوصول إلى أهداف حساسة في عمق المناطق المدنية، وفي الوقت نفسه توجيه إشارة غير مباشرة إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية مفادها أن التوازنات الجديدة قد تفرض خيارات سياسية مختلفة؟

في علم الجيوبوليتيك، لا تُقرأ الأحداث الأمنية بمعزل عن سياقها السياسي. فالضربة قد تكون، في أحد أوجهها، رسالة ضغط لإعادة رسم حدود النفوذ داخل لبنان، أو محاولة لدفع الدولة اللبنانية إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا في ما يتعلق بالعلاقة مع إيران.

طرد السفير، دلالات القرار وتوقيته

النتيجة المباشرة التي برزت حتى الآن تمثلت في طرد السفير الإيراني، وهو قرار لم يكن ليمر بسهولة في الظروف السياسية التقليدية. إلا أن مشاركة وزير محسوب على خط سياسي قريب من طهران، وعدم مقاطعته للاجتماع الرسمي، يشيران إلى وجود حد أدنى من التوافق الداخلي على ضرورة امتصاص التداعيات وتفادي انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة.

إن توقيت القرار يعكس إدراكًا لدى صناع القرار بأن لبنان يقف على مفترق حساس، حيث يصبح تجنب التصعيد أولوية تفوق الاعتبارات التحالفية الضيقة. فالتاريخ اللبناني حافل بمحطات أثبتت أن صراعات المحاور غالبًا ما تُدار على أرضه، بينما يدفع اللبنانيون ثمنها من استقرارهم واقتصادهم وأمنهم.

سيف الاغتيالات… عندما يصبح الجميع تحت الاختبار

تُظهر التجارب التاريخية أن المراحل الانتقالية غالبًا ما تترافق مع تصاعد في وتيرة الاغتيالات أو محاولات الاغتيال، إذ تصبح مراكز القرار عرضة لضغوط متعددة الاتجاهات. وعندما يتقدم منطق الرسائل الأمنية على منطق التسويات السياسية، يصبح الجميع في دائرة الاستهداف المعنوي أو الفعلي.

إن سيف الاغتيالات، حين يحضر في المشهد السياسي، لا يهدد الأفراد فقط، بل يهدد فكرة الدولة نفسها، إذ يتحول الولاء إلى عامل خطر، وتصبح المواقف السياسية محكومة بهاجس السلامة الشخصية بدل أن تكون نابعة من رؤية وطنية استراتيجية.

السيادة بين النص والواقع

يطرح هذا الحدث مجددًا سؤال السيادة في لبنان: هل نحن أمام محاولة فعلية لإعادة ترميم مفهوم الدولة، أم أمام استجابة ظرفية لضغط خارجي؟

فالسيادة لا تُقاس بقرار واحد، بل بمسار متكامل من السياسات التي تعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية وتضع حدًا لازدواجية القرار الأمني والسياسي.

قد يكون طرد السفير الإيراني خطوة رمزية، لكنه في الوقت ذاته مؤشر على أن لبنان لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة البقاء في المنطقة الرمادية بين المحاور. فالعالم يتجه نحو وضوح الاصطفافات، بينما يحاول لبنان الحفاظ على توازنه الدقيق بين مصالحه الداخلية وتعقيدات موقعه الجغرافي السياسي

ما بين الرسائل والنتائج

حتى الآن، تبدو الصورة مفتوحة على احتمالات متعددة. فالنتيجة المباشرة كانت طرد السفير الإيراني، أما النتائج اللاحقة فستتضح تباعًا وفق مسار التفاعلات الإقليمية والدولية.

يبقى السؤال الأساسي، هل يشكل هذا الحدث بداية مرحلة جديدة من ترميم القرار السيادي اللبناني، أم أنه مجرد حلقة إضافية في سلسلة الضغوط التي يتعرض لها بلد اعتاد أن يكون ساحة لتقاطع الرسائل؟

في السياسة، لا تُقاس الأحداث بحجمها الآني فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيل قواعد اللعبة. هل لبنان، الذي خبر تاريخيًا تقلبات الجغرافيا السياسية، يستطيع أن يقف اليوم أمام اختبار جديد لمدى قدرته على تحويل الضغوط إلى فرصة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com