بقلم د. يوسف إبراهيم سلوم – خاص بوابة بيروت
لماذا ربما تشهد ايران في الأيام القليلة المقبلة ضربها بسلاح لم يشهد التاريخ مثله من قبل! ولماذا ربما يشهد المسجد الأقصى التدمير! وهل نحن فعلًا على أعتاب حدث مفصلي يعيد تشكيل المنطقة والعالم؟
منذ قرون، شكّل السؤال حول من يصنع التاريخ “الأفكار أم القوى” محورًا أساسيًا في فهم التحولات الكبرى. وفي زمننا الحاضر، يبدو أن الأفكار، وبخاصة الدينية منها، تعود بقوة لتزاحم السياسة والجغرافيا، بل وتمنحها أحيانًا معناها العميق واتجاهها.
لقد مرّ تاريخ بني إسرائيل بسلسلة من المراحل المتعاقبة، من عصر الآباء، إلى الخروج، فالفتح، فالمملكة الموحدة، ثم الانقسام، فالسبي، فالعودة، وصولًا إلى الشتات الطويل بعد تدمير الهيكل الثاني. هذه المراحل ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي إطار ذهني حاضر في الوعي الديني والسياسي حتى اليوم.
أما المرحلة الراهنة، فيراها بعض المفكرين والتيارات الدينية بوصفها “عصر الظهور” أو “العصر المسياني”، حيث عودة الشعب إلى الأرض، وإعادة بناء القوة، والسعي لتحقيق وعد تاريخي يتجاوز السياسة إلى العقيدة. في هذا السياق، تبرز أفكار مثل بناء الهيكل الثالث، وظهور المخلّص، كجزء من رؤية كبرى لمستقبل المنطقة.
وتستند هذه الرؤية إلى قراءات معينة لنصوص دينية قديمة، تتحدث عن صراع كوني بين قوى متعددة، تنتهي بانتصار نهائي يمهّد لعصر من السلام الإلهي. إنه عصر المسياني “عصر الظهور” بعد العودة الى أرض كنعان وتأسيس الدولة عام ١٩٤٨ والتحضير لمملكة الأرض العظمى وظهور المسيح المخلص الذي لن يظهر الا بتحقيق شرطين عظيمين:
- ذبح البقرات الحمراء وتحقيق عقيدة الخلاص.
- بناء الهيكل الثالث الذي لا يتم الا بعد بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.
في المقابل، يقدّم الواقع السياسي قراءة مختلفة، تقوم على موازين القوى، وحسابات الردع، وتعقيدات المصالح الدولية. فالدول، مهما حملت من شعارات دينية، تظل محكومة بقيود الواقع، وتدرك أن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.
من هنا، يظهر التوتر بين من يرى العالم بعين النبوءة، ومن يقرأه بعين السياسة. الأول يبحث عن علامات النهاية، والثاني يحسب احتمالات البقاء.
ولا يقتصر هذا التداخل بين العقيدة والسياسة على النصوص الدينية أو التأويلات الفكرية، بل يجد صداه في تصريحات عدد من القادة المعاصرين. فقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” في أكثر من مناسبة مثل الخطاب الذي ألقاه في ١٣ آذار ٢٠٢٦ إلى أن إسرائيل تعيش “لحظات تاريخية” وأنها في طور التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة، بل وإلى ما هو أبعد من ذلك في بعض المجالات. مثل هذه التصريحات، وإن جاءت في سياق سياسي واستراتيجي، تحمل في طياتها أصداءً تتقاطع مع المخيال الديني لدى بعض التيارات، التي ترى في صعود القوة الإسرائيلية جزءًا من مسار تاريخي أوسع.
كما أن خطاب بعض التيارات الدينية داخل إسرائيل، وإن لم يكن رسميًا، يذهب أبعد من ذلك، حيث يربط بين التحولات الجارية وبين اقتراب تحقق وعود تاريخية كبرى، بما في ذلك إعادة بناء الهيكل.
فهل نحن فعلا أمام تحقق نبوءة، أم أمام إسقاط بشري لمعنى النبوءة على واقع مضطرب؟
وهل الخطر الحقيقي يكمن في وقوع الحدث… أم في الإيمان الحتمي بوقوعه؟
في الختام، إن التاريخ لا يصنعه الحدث وحده، بل التأويل الذي نُلبسه له. وبين النبوءة والسياسة مسافة خطرة، كلما ضاقت اشتعل العالم، وكلما اتسعت نجا من وهم النهاية.