خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
في عالم تتسارع فيه التحولات الاستراتيجية، يبرز سيناريو انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي كأحد أكثر الاحتمالات إثارة للجدل والقلق، خاصة مع عودة اسم دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي، حيث تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان هذا الخيار قد يتحول من مجرد خطاب سياسي إلى واقع يعيد تشكيل موازين القوى العالمية.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّلت الولايات المتحدة العمود الفقري للناتو، ليس فقط عسكريًا بل سياسيًا واستخباراتيًا، وأي انسحاب مفاجئ سيخلق فراغًا أمنيًا هائلًا في أوروبا، ويدفع الدول الأوروبية إلى سباق تسلح غير مسبوق لتعويض غياب القوة الأمريكية، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة من روسيا التي قد ترى في هذه الخطوة فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها وتعزيز موقعها في القارة الأوروبية.
وفي خضم هذا التحول، تقف أوكرانيا كأكثر الأطراف هشاشة، إذ يعتمد توازنها العسكري بشكل كبير على الدعم الأمريكي، وأي تراجع في هذا الدعم قد يؤدي إلى تغيير جذري في مسار الحرب، وربما فرض تسويات تميل لصالح موسكو، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول وجود تفاهمات غير معلنة بين القوى الكبرى.
ومن هنا تبرز فرضية “الصفقة الكبرى” التي يتخيلها البعض بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، والتي تقوم على تقليص الدور الأمريكي في أوروبا مقابل تعاون روسي في ملفات أخرى، وعلى رأسها إيران، غير أن هذا التصور يصطدم بواقع جيوسياسي معقد، فالعلاقة بين موسكو وطهران ليست عابرة، بل تقوم على مصالح مشتركة وتنسيق استراتيجي في عدة ساحات، مما يجعل فكرة تخلي روسيا عن إيران مقابل مكاسب في أوروبا أمرًا غير سهل التحقيق.
وفي هذا السياق، تزداد أهمية الإشارات السياسية الأخيرة، ومنها ما يُتداول عن إنذار وجّهه فلاديمير بوتين إلى طهران بضرورة المضي قدمًا في توقيع اتفاقيات تهدئة أو تفاهمات دولية، مع تلميح إلى أن موسكو قد لا تكون قادرة على تقديم الضمانات نفسها في حال التصعيد. ورغم أن مثل هذه المعطيات تبقى في إطار التقارير والتحليلات غير المؤكدة رسميًا، إلا أنها تعكس احتمال وجود ضغوط روسية لإعادة ضبط سلوك إيران بما يتلاءم مع توازنات أوسع، خصوصًا في ظل انشغال موسكو في ملفات كبرى أخرى.
وفي موازاة ذلك، يبرز عامل آخر يزيد من تعقيد المشهد، وهو دور إسرائيل في تعميق التباينات داخل المعسكر الغربي، بما في ذلك دول الناتو نفسها، حيث تتزايد حدة الخلافات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية حول السياسات الإسرائيلية، سواء فيما يتعلق بالتصعيد مع إيران أو بالإجراءات المتخذة في الأراضي الفلسطينية. وقد ظهرت هذه التباينات بشكل أوضح مع مواقف أوروبية ناقدة، خاصة من فرنسا، التي أبدت اعتراضات على بعض السياسات، وسط دعوات لمراجعة العلاقات أو اتخاذ مواقف أكثر صرامة. كما ساهمت التطورات في القدس، وما يُثار حول أوضاع المسيحيين، في زيادة الحساسية السياسية والدينية في أوروبا، خاصة بعد إشارات صدرت عن البابا فرنسيس في خطاباته الدينية، وهو ما يعكس اتساع دائرة القلق داخل الأوساط الأوروبية.
هذه التباينات لا تعني بالضرورة انقسامًا كاملًا داخل الناتو، لكنها تكشف عن تصدعات متزايدة في الرؤية الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، خاصة عندما تتقاطع الملفات الأمنية مع قضايا الشرق الأوسط. وفي حال انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، فإن هذه الخلافات قد تتفاقم، وتتحول إلى انقسامات أعمق حول كيفية التعامل مع قضايا مثل إيران وإسرائيل، ما قد يضعف تماسك التحالف الغربي بشكل غير مسبوق.
في المحصلة، يبدو العالم أمام مشهد معقد تتداخل فيه الحسابات الكبرى مع الصراعات الإقليمية، حيث يمكن لقرار واحد، مثل الانسحاب من الناتو، أن يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات التي تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط، مرورًا بأوكرانيا وروسيا، وصولًا إلى إيران وإسرائيل، مما يجعل المستقبل مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة ترتيب النظام الدولي أو الانزلاق نحو مرحلة جديدة من الفوضى الجيوسياسية.