بقلم رياض عيسى – خاص بوابة بيروت
@issariad
في لبنان، لم نعد نختلف فقط في السياسة، بل اختلفنا على حق الاختلاف نفسه. انقسم الناس اليوم بين من يرى في سلاح “المقاومة” قدسيةً لا تُمس، وبين من يرى أنّ الدولة هي الحل، وأنّها وحدها يجب أن تحتكر القرار والسلاح. بين هذين الموقفين، تضيع مساحة الحوار، ويضيق صدر الوطن.
المشكلة لم تعد في اختلاف الآراء، فهذا أمرٌ طبيعي وصحي، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف. حين يتحوّل كل رأي مخالف إلى خيانةٍ، وكل سؤال إلى طعنٍ، وكل نقد إلى تهديدٍ وتخوينٍ واستهداف، نكون قد دخلنا منطقةً خطرةً لا تشبه لبنان الذي نريده.
جزءٌ كبير من اللبنانيين تربّى في ظل غياب الدولة، وخاصةً أثناء الحرب الأهلية، وتعلّم في مدارس طائفيةٍ تحريضية، واعتمد على منظوماتٍ حزبيةٍ أو طائفيةٍ وفّرت له الأمان والخدمات والانتماء. هذا واقعٌ لا يمكن إنكاره أو القفز فوقه، فأصبح لكل طائفةٍ دولة.
لكن الخطير أن يتحوّل هذا الانتماء إلى جدارٍ يُغلق العقل، ويمنع أي مراجعةٍ أو مساءلة، ويُعطي حصانةً مطلقةً لأي قرارٍ أو سلوك.
في المقابل، هناك من تعب… تعب من الحروب والانقسامات، تعب من فائض القوة، ومن منطق الغلبة، ومن دفع أثمانٍ لا تنتهي. يريد دولةً، قانونًا، واستقرارًا. عاد إلى حضن الدولة بعد الطائف، وهناك من يريد أن يعيش بلا خوفٍ من حربٍ لا يقرّرها، ولا يدفع كلفتها وحده.
بين هذين المسارين، يُطرح سؤالٌ بسيط وعميق، هل ما زال هناك مكانٌ للرأي الآخر؟
حين يصل الأمر إلى تبرير قصف جامعةٍ أو مدرسةٍ، بحجة أنّها “هدفٌ مشروع”، حتى ولو كان ضحاياها لبنانيين أبرياء، وحين يقرّر البعض إسناد إيران وسوريا وكل العالم على حساب أمننا واستقرارنا، ويُمنع عليك أن تعترض، فنحن لا نكون أمام اختلافٍ سياسي، بل أمام انزلاقٍ خطير في المعايير الإنسانية والأخلاقية.
أنا ممن آمنوا دائمًا بالشعار الذي يقول، قد أخالفك الرأي، لكنني مستعد أن أدفع حياتي ثمنًا للدفاع عن حقك في التعبير عن رأيك. لكن الحقيقة المؤلمة اليوم أنّ هذا الإيمان يُختبر بقسوة، ليس لأن الاختلاف صعب، بل لأن بعض الخطاب لم يعد يعترف بالآخر أصلًا.
أصبحنا اليوم لا نستطيع التعبير عن آرائنا، وقد تُمارس عليك كل وسائل الترهيب والتخوين، وقد تدفع حياتك ثمنًا لذلك. تجربة لقمان سليم وسمير قصير وغيرهما خير دليل.
مع ذلك، لا خيار لنا إلا أن نتمسّك بما تبقّى من مساحةٍ مشتركة. ليس المطلوب أن نتفق، ولا أن يتخلّى أحد عن قناعاته، بل أن نقبل فكرةً بسيطة، أنّ الآخر ليس عدوًا، وليس خائنًا، وليس مشروع إلغاء.
الوطن لا يُبنى بصوتٍ واحد، ولا بفريقٍ واحد، ولا يُحمى بإلغاء نصفه أو ربعه أو بعضه.
إن كنّا عاجزين اليوم عن إقناع بعضنا، فلنحاول على الأقل أن نحمي حقنا في أن نختلف، لأن خسارة هذا الحق هي بداية خسارة الوطن نفسه… ونحن لا نريد أن نخسر الوطن.