لبنان الجديد بفعل الجغرافيا ونوستالجيا التاريخ

خاص بوابة بيروت

التركيبة الطوائفيّة اللبنانية التي من المفترض أن تكون مصدر غنًى مجتمعي في بلد تعدّدي كلبنان، تحوّلت بفعل الارتهان الخارجي الإيديولوجي إلى عامل تهديد، تفاقم في السنوات الثلاث الأخيرة، حتى كاد يطيح معه بجوهر وجود الوطن اللبناني على حساب بقاء دولة هشّة لا تستطيع أن تنفّذ قرارات حكومته السياسية. فهل نحن أمام لبنان جديد بفعل أمر الميدان والارتهان؟

ممّا لا شك فيه أنّ المآل الذي وصلت إليه الأمور لم يعد مقبولًا في المقاييس كافّة. ولا سيّما من الناحية الديموغرافيّة حيث أفادت مصادر مختصة في إحدى الجامعات التي تدرّس علم الديموغرافيا بأنّ لبنان قد يشهد تبدّلًا في صياغته الديموغرافيّة. وهذا التبدّل هو نتيجة للارتهان الذي سقطت فيه الطائفة الشيعيّة. مع العلم أنّ هذا الارتهان لا يشمل هذا المكوّن الحضاري بالكامل، لكن المؤسف أنّ منظمة حزب الله قد نجحت بنقل القسم الأكبر من هذه الطائفة من لبنان الثقافي إلى ثقافة لا تشبه ثقافتنا اللبنانية إطلاقًا.

ولقد رأى الباحث فواز طرابلسي “Fawaz Traboulsi” أنّ التحوّل الديموغرافي الذي رفع هذا المكون الحضاري من نسبة ١٩٪؜ إلى ما يقارب ٣٠٪؜ قد ساهم في انتقال الجماعة من موقع الهامش الاجتماعي إلى موقع التأثير السياسي، خصوصًا بعد الحرب الأهلية اللبنانية واتفاق الطائف، حيث أصبح الوزن الديموغرافي عاملًا حاسمًا في إعادة توزيع السلطة .

وهذه العملية قد تعرّضت لعملية ضرب جذري من قبل الاسرائيلي بعد التدمير الممنهج لحاضنة هذه البيئة الجغرافية. ولعلّ هذا ما سيدفعها إلى البحث عن حيّز جغرافيّ جديد. ولا يبدو أنً الجغرافية اللبنانيّة ستتًسع لهذا الحيّز الجغرافيّ الجديد. وهذا ما سيخلق بيئة متوتّرة نتيجة الاضطرابات المجتمعية التي وضع الاسرائيلي اللبنانيين فيها. وهذا الأمر لا يمكن تلافيه إلا إذا استطاعت الدولة استعادة هيبتها، الاجتماعية بالحدّ الأدنى؛ ولكن للأسف لاشيء من الوقائع بنبئ بذلك.

هذا الحالة في الداخل اللبناني، مضاف عليها منطقة عازلة فارغة من السكان، وأرضها غير قابلة للحياة على الخزود الشمالية لإسرائيل سيوفّر لهذه الأخيرة استقرارًا استراتيجيّا طويل الأمد. والملفت في ذلك سيكون في ظلّ غياب أي اتّفاق سلام لم تعد بحاجة إليه إسرائيل، بل أضحى حاجة ماسّة للدولة اللبنانية المضطربة بهدف الاستحصال على أموال إعادة بناء الاقتصاد والاعمار.

إن تبدّل الحيّز الجغرافي للمكوّن الحضاري الشيعي في لبنان لا يمكن تفسيره كتحول سكاني فحسب، بل هو مسار تاريخي مركّب نتج عن تفاعل الديموغرافيا مع الاقتصاد والسياسة والذاكرة الجماعية. فقد انتقل هذا المكوّن من فضاء الأطراف إلى فضاء المركز، ومن موقع التهميش إلى موقع التأثير، ما يعكس قدرة الجماعات الحضارية على إعادة تشكيل المجال الجغرافي بما يخدم استمراريتها التاريخية.

وأمام الواقع التدميري الجديد سيجد نفسه هذا المكون أمام إعادة تشكيل لواقع جغرافي جديد لتأمين استمراريته التاربخية. ومع فقدانه لعامل القوة نتيجة لخسارته سلاحه غير الشرعي، ولماله النظيف، لن يستطيع استيلاد هذا الحيّز الجغرافي الجديد. وسيواجَه من قبل المجتمعات المضيفة باستحالة التعايش والاندماج إلا بشروط هذه المجتمعات. ومن البديهي أنّ القسم الأكبر من هذه البيئة لن يقبل بهذه الشروط. ولعلّ هذا ما قد يدفع قسم من هذه البيئة إلى الخروج طوعًا من الجغرافية اللبنانيّة.

هذا الارتهان إلى الخارج قد أخرج قسم كبير من هذا المكون الحضاري، وما سيتبقى في لبنان منه، ولا أعني بالبقاء هنا البقاء الجسدي بل البقاء الثقافي – الحضاري هو الذي سيكون له مستقبل الشراكة الوطنية الجديدة. فخطيئة مجازر ٥ أيار ١٩٢٠، ولاسيما مجزرة عين إبل التي قوبلت في الأول من أيلول ١٩٢٠ بإعلان لبنان الكبير، لقد صحّحها التاريخ الحديث. ولكن المؤسف في هذه العملية أنّ هذا التصحيح لم يأتِ بفعل لبناني – لبناني، بل جاء نتيجة لحرب الإفناء التي ورّطت بها منظمة حزب الله بيئتها بالكامل.

فما بين الميدان والارتهان سقطت منظمة حزب الله وأسقطت معها نضالًا مجتمعيًا نجح عبر السنين بتشكيل مجاله الجغرافي وبتحقيق استمراريّته. الميدان أسقط هذا الحيّز الجغرافي تدميرًا وتهجيرًا وتفريغًا. والارتهان الذي فشل عبد الحسين شرف الدين في مؤتمر وادي الحجير في ٢٤ نيسان ١٩٢٠ بإلحاق جبل عامل مع سوريا، نجحت بواسطته منظمة حزب الله بخسارته جغرافيًّا وسوريًًّا والمؤكّد أنّها خسرته لبنانيًّا أيضًا.

من كان ليتصوّر هذه النهاية الدراماتيكية ! من كان ليظنّ يومًا بأنّ السلام سيكون بالقوة، أو بقوّة الأمر الواقع، يوم كانت متاحة لنا كلبنانيين مجتمعين، قوة السلام وخسرناها مقابل عملية الاحتضان الثاني؟

لقد بات شبه مؤكد وواضح شكل لبنان الجديد الذي سيكون صغيرًا بجغرافيّته ومتخمًا بديموغرافيّته. في حرب الكبار الكبرى لا مكان لأناشيد وأهازيج المستكبرين. والدوس على أعلام الدول المرسومة على أرصفة الكورنيشات لا توفّر النصر الإلهي، ولا ترمي هذه الدول في البحار والمحيطات.

وحدها ثقافة الحياة والمحبة والسلام تبني الأوطان وتؤمن الازدهار والاستمرار على الاستقرار. وعدا ذلك سنبقى في حالة استمرار على عدم الاستقرار. ما يعني ذلك عمليًّا موتًا فعليًّا لجوهر الوطن. أما آن الأوان للاعتراف بالأخطاء علّنا قد نملك ولو بصيص فرصة لتصحيحها؟ أو بأبسط تعديل، لنحجز لنا دورًا في عالم أصبح فيه التطور أسرع من الانسان؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com