خلل في النشأة الدينية لأتباع ولاية الفقيه

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

الإيمان قيمة سامية، وهو حاجة إنسانية عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية والهويات الطائفية. الإيمان ليس حكرًا على أتباع دين بعينه، بل هو شعور داخلي بالمعنى والمسؤولية، نجده عند أتباع الديانات السماوية كما نجده عند أتباع الديانات غير السماوية كالبوذية والهندوسية والسيخية. الإيمان في جوهره يدعو إلى السمو الأخلاقي، وإلى العدل، وإلى الرحمة، وإلى قبول الآخر بوصفه شريكًا في الإنسانية.

المؤمن الحق لا يخشى الاختلاف، بل يتعامل معه بوصفه سنّة من سنن الحياة. وقد يوجد بين المؤمنين من هو متدين باعتدال، ومن هو أكثر التزامًا، ومن يصل إلى حد التزمت. غير أن التدين مهما بلغ لا ينبغي أن يتحول إلى قناعة مطلقة بأن صاحبه يحتكر الحقيقة كاملة، أو أن الله سينصره لمجرد انتمائه، لا لعدالة موقفه. فالإيمان لا يمنح حصانة أخلاقية، ولا يعفي الإنسان من المحاسبة.

تكمن الإشكالية حين يتحول الإيمان من علاقة روحية بين الإنسان وربه إلى مشروع سياسي مغلق يربط بين ”الصواب الإلهي“ وقرار بشري قابل للخطأ. هنا يظهر الخلل، حين يُلقَّن الفرد منذ نشأته أن فئة بعينها تمثل إرادة الله في الأرض، وأن معارضتها تعني معارضة الدين ذاته، وأن النصر الإلهي مضمون لها مهما كانت النتائج. هذا النمط من التربية الدينية لا يصنع إنسانًا واثقًا بإيمانه، بل يصنع إنسانًا خائفًا من النقد، متوجسًا من الاختلاف، وغير محصن نفسيًا للمراجعة.

إن نظرية ولاية الفقيه في أصلها اجتهاد فقهي داخل المدرسة الشيعية، وليست نصًا مقدسًا خارج دائرة النقاش. وقد تحولت هذه النظرية بعد الثورة الإسلامية في إيران إلى نظام سياسي قائم في إيران، فأصبحت جزءًا من بنية الدولة وهويتها الرسمية. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت التربية الدينية لدى قطاعات واسعة بفكرة الاصطفاء الإلهي، وبأن هذا النموذج يمثل الامتداد الطبيعي لإرادة السماء.
غير أن ربط الإيمان بالمشروع السياسي يخلق التباسًا خطيرًا، فحين ينجح المشروع تُنسب النجاحات إلى العناية الإلهية، وحين يفشل تُبرر الإخفاقات بوصفها امتحانًا إلهيًا أو مؤامرة خارجية. وفي كلتا الحالتين يغيب النقد الذاتي، وتُغلق أبواب المراجعة.

الإيمان يفرض على المؤمن أن يتقبل الآخر، لا أن يلغي وجوده. يفرض عليه أن يفرّق بين قدسية النص وبشرية الفهم، وبين ثبات المبادئ وتغير التطبيقات. أما حين تتربى أجيال كاملة على أن طاعته السياسية امتداد لطاعته الدينية، فإننا نكون أمام خلل في النشأة لا في العقيدة ذاتها، بل في طريقة تقديمها وتوظيفها.

لا أحد يملك الحقيقة المطلقة في الشأن العام، لأن الشأن العام مجال بشري بطبيعته. وحتى أكثر النظريات الدينية رسوخًا تظل خاضعة للاجتهاد والتطوير. إن الإيمان الذي لا يسمح بالمراجعة يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، والإيمان الذي لا يعترف بإمكانية الخطأ البشري يتحول إلى أداة تبرير لا أداة إصلاح.

من هنا، يمكن القول إن هناك خللًا في النشأة الدينية لدى بعض أتباع ولاية الفقيه، وهو خلل تكرّس بفعل تداخل الدين بالسلطة منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران. هذا الخلل لا يعالج بالقطيعة مع الإيمان، بل بإعادة تعريفه، إيمان يعترف بالتعدد، ويقبل النقد، ويُخضع التجربة السياسية للمساءلة.

لقد آن الأوان خاصة بعد الحروب والصراعات التي أنهكت المنطقة أن يُفتح باب المراجعة الهادئة والمسؤولة. ويقع على عاتق فقهاء الشيعة ومفكريهم دور أساسي في تصحيح هذا المسار في الأجيال القادمة، عبر إعادة الفصل بين قدسية الدين وبشرية التجربة السياسية، وترسيخ مفهوم أن النصر الإلهي ليس وعدًا لفئة بعينها، بل هو ثمرة العدل والحق أينما كانا.

فالإيمان جميل وواجب، لكنه يصبح أكثر جمالًا حين يقترن بالتواضع، وأكثر قوة حين يعترف بإنسانية الجميع.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com