حين يُعاد طرح السؤال عن تراب جنوب لبنان
بقلم الجنوبي – خاص بوابة بيروت
عندما قال الشهيد داوود داوود عبارته الشهيرة “كل حبة تراب من الجنوب أغلى من كل إيران” لم يكن يطلق موقفًا عاطفيًا بقدر ما كان يضع إطارًا سياسيًا لصراع عميق دار في لبنان وتحديدًا داخل البيئة الشيعية صراع لم يكن على الجغرافيا فحسب بل على الهوية والقرار والاتجاه هل يكون الجنوب لبناني القرار أم ورقة ضمن مشروع إقليمي أوسع يقوده الحرس الثوري الإيراني عبر ميليشيا “حزب الله”.
منذ بداياته لم ينشأ “حزب الله” كتنظيم سياسي تقليدي بل كامتداد عقائدي أمني لمشروع إقليمي هدفه إنشاء ذراع متقدمة على حدود “إسرائيل”، هذا التكوين جعله يتعامل مع الجنوب بوصفه موقعًا استراتيجيًا في معادلة إقليمية لا مجرد أرض لبنانية تحتاج إلى حماية وتنمية ومن هنا كان لا بد من حسم ساحة “المقاومة” وتوحيدها تحت رايته ما أدى إلى صدام مباشر مع حركة أمل.
ما سمي لاحقًا بـ”حرب الأخوة” في أواخر الثمانينات لم يكن حدثًا عابرًا بل لحظة مفصلية أعادت رسم موازين القوى داخل الطائفة الشيعية وفي لبنان عمومًا، فقد انتهى هذا الصراع إلى تثبيت هيمنة ميليشيا “حزب الله” على الجنوب ليس فقط عسكريًا بل سياسيًا وشعبيًا، ما سمح له لاحقًا بأن يتحول إلى اللاعب الأبرز في تحديد مسار الصراع مع “إسرائيل” وفي ربط هذا المسار بحسابات إقليمية أوسع.
لكن ماذا لو كانت النتيجة مختلفة؟ ماذا لو انتصرت حركة أمل؟
هذا السؤال لا ينتمي إلى الخيال بقدر ما هو محاولة لفهم البدائل التي أقصيت من التاريخ فحركة أمل رغم كل الملاحظات عليها كانت تمثل نموذجًا مختلفًا تنظيمًا ذا جذور لبنانية وعربية أقرب إلى فكرة الدولة وأقل ارتباطًا بمشروع خارجي مباشر ولو أنها حسمت الصراع لصالحها فمن المرجح أن طبيعة القرار الشيعي في لبنان كانت ستأخذ منحى أكثر لبننة وأقل ارتهانًا للمحاور الإقليمية.
في هذا السياق يمكن قراءة خطاب نبيه بري خلال ملف الترسيم البحري حين تحدث عن التوفيق بين الحكومتين كإشارة إلى نهج براغماتي يسعى إلى تحقيق مصالح لبنان ضمن توازنات واقعية لا من خلال ربطها بصراعات مفتوحة. هذا النهج لو كان هو السائد منذ نهاية الحرب الأهلية ربما كان قد أتاح للبنان هامشًا أوسع للحركة السياسية والاقتصادية.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الحديث عن ثورة الغاز والنفط لا ينفصل عن طبيعة القرار السياسي، فلبنان الذي يملك إمكانات واعدة في هذا المجال ظل عاجزًا عن استثمارها بشكل فعال ليس فقط بسبب النزاع مع “إسرائيل” بل أيضًا نتيجة الانقسام الداخلي وارتباط الملفات السيادية بحسابات خارجية، ولو كان القرار أكثر استقلالية لربما كانت الأولوية قد أعطيت لتثبيت الاستقرار واستقطاب الاستثمارات بدل الانخراط في صراعات تستنزف الموارد.
ومع ذلك، من الضروري الاعتراف بأن انتصار حركة أمل لم يكن ليشكل حلًا سحريًا، فلبنان بطبيعته بلد معقد تتداخل فيه العوامل الطائفية والإقليمية والدولية وربما كانت أمل نفسها ستواجه ضغوطًا مشابهة أو كانت ستضطر إلى تسويات لا تقل صعوبة لكن الفارق الأساسي كان سيبقى في طبيعة التموضع بين مشروع يسعى إلى إدماج لبنان في محيطه العربي والدولي وآخر يربطه بمحور إقليمي محدد.
في المحصلة، لا يمكن إعادة كتابة التاريخ لكن يمكن فهم مفاصله و”حرب الأخوة” كانت واحدة من تلك المفاصل التي حددت ليس فقط من يسيطر على الجنوب بل كيف يدار هذا الجنوب ولصالح من، بين عبارة “كل حبة تراب من الجنوب أغلى من كل إيران” وواقع اليوم، مسافة تختصر قصة وطن عالق بين خيار الدولة وخيار المحور.
ويبقى السؤال مفتوحًا، هل كان يمكن للبنان أن يكون مختلفًا؟
ربما، لكن المؤكد أن ما حدث لم يكن الخيار الوحيد الممكن، بل أحد المسارات التي فرضت بقوة الصراع.