العرقوب صمودٌ بلا ضجيج وعدالةٌ بلا شهود
بقلم رياض عيسى – خاص بوابة بيروت
منذ نشأة لبنان الحديث، بقيت قرى وبلدات العرقوب، عند المثلث الحدودي مع فلسطين وسوريا، خارج حسابات الدولة الفعلية، حاضرةً فقط في الجغرافيا، وغائبةً عن السياسات والخدمات. عانت هذه المنطقة، كما غيرها من الأطراف، من إهمالٍ مزمن، حيث تركزت مشاريع التنمية والخدمات في المدن والمناطق المحظية، فيما تُركت القرى الحدودية تواجه مصيرها بإمكاناتٍ محدودةٍ وصبرٍ لا ينفد.
لكن مع قيام “إسرائيل”، لم يعد الإهمال وحده هو المشكلة، بل تحوّل العرقوب إلى خط تماسٍ دائمٍ مع العدوان. دفعت هذه القرى أثمانًا باهظةً من أمنها واستقرارها، وعاشت عقودًا من التهديدات والاعتداءات والتهجير، وقدّمت التضحيات، حتى قبل أن تعرف كثيرٌ من بلدات الجنوب الأخرى معنى الحرب المباشرة مع العدو.
اليوم، في ظل الحرب المدمّرة التي يتعرّض لها الجنوب اللبناني، تعود قرى العرقوب لتكون في قلب الخطر. تهديداتٌ وإنذارات، قصفٌ على محيطها، توغّلٌ واعتقال، واستشهاد العديد من أبنائها، وخطر تهجيرٍ يلوح في الأفق.
مع ذلك، اتخذ الأهالي، ومعهم اتحاد بلديات العرقوب، قرارًا واضحًا وجريئًا: الصمود والبقاء في الأرض، تمامًا كما فعلت بلداتٌ جنوبيةٌ عديدةٌ قدّمت نموذجًا مشرّفًا في التمسك بالجذور.
غير أن المفارقة المؤلمة لا تكمن في العدوان، بل في ما يوازيه من تفاوتٍ في الاهتمام. فقد شهدنا حضورًا رسميًا ودينيًا وإعلاميًا كثيفًا في بعض القرى الجنوبية العزيزة، لا سيما تلك ذات الغالبية المسيحية، حيث تعددت زيارات الموفدين والمؤسسات الداعمة، وتدفقت المساعدات، وامتلأت الشاشات بتقارير الدعم والتضامن، والنقل المباشر لواقع الأهالي وظروف حياتهم في أجواء الحرب.
في المقابل، بقيت بلدات العرقوب، بكل ما تمثله من رمزيةٍ وطنيةٍ وصمودٍ تاريخيٍّ وكثافةٍ سكانية، خارج هذا الضوء. لم تحظَ بالزيارات نفسها، ولا بالمبادرات ذاتها، ولا حتى بالحضور الإعلامي الذي يوازي حجم التحديات التي تواجهها. وكأن هناك، عن قصدٍ أو غير قصد، تمييزًا بين صامدٍ وصامد، وبين نازحٍ ونازح، في مشهدٍ لا يليق بوطنٍ يُفترض أن يكون أبناؤه متساوين في الحقوق والاهتمام والقيمة.
أما الغياب اللافت لبعض المرجعيات السياسية أو الدينية، التي يُفترض أن تكون سندًا معنويًا لكل المناطق دون استثناء، فيطرح تساؤلاتٍ إضافيةً حول دورها في مثل هذه اللحظات الوطنية الجامعة.
إذا كانت الدولة عاجزة، فهل يُعقل أن يعجز الضمير أيضًا؟ إذا كان الإعلام منشغلًا أو منحازًا، فهل يُعقل أن يغيب العدل والمساواة؟
استمرار هذا التفاوت في التعاطي لا يهدد فقط العرقوب، بل يضرب فكرة الوطن من أساسها، لأن الوطن لا يقوم على مناطق “مرئية” وأخرى “منسية”، ولا على صمودٍ يُحتفى به وصمودٍ يُهمَّش.
العرقوب اليوم لا يطلب امتيازات، ولا يبحث عن تمييزٍ مضاد، بل ينادي بالحد الأدنى من العدالة: أن يُنظر إلى أهله كما يُنظر إلى غيرهم، وأن يُدعم صمودهم كما يُدعم سواهم، وأن تُرفع معاناتهم إلى مستوى القضية الوطنية، لا أن تبقى هامشًا في سردية الألم اللبناني.
فالجنوب واحد، والوجع واحد، والصمود أو النزوح لا يجب أن يُجزّأ.
إذا كانت هناك رسالةٌ يجب أن تُقال اليوم، فهي أن الكرامة الوطنية لا تُقاس بعدد الزيارات، ولا بحجم التغطية الإعلامية لأي منطقة، بل بمدى العدالة في احتضان جميع أبناء الوطن، دون تفرقةٍ أو استثناءٍ أو تمييز.
العرقوب لم يغب يومًا، ولم يتأخر يومًا عن واجبه الوطني والإنساني، فهل سيبقى الوطن غائبًا عنه؟ أم متى يعود الوطن إلى العرقوب؟