العدّ العكسي بدأ : نفايات بيروت على أبواب الشوارع
خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
في بيروت، لم تعد أزمة النفايات خبرًا طارئًا، بل أصبحت جزءًا من يوميات المدينة. مشهد الأكياس المتراكمة، الروائح، والتأجيل الدائم للحلول، كلها تفاصيل باتت مألوفة إلى حدٍّ مقلق.
اليوم، تعود الأزمة لتفرض نفسها من جديد، ولكن هذه المرة في ظروف أصعب. عقد تلزيم كنس وجمع النفايات الحالي يقترب من نهايته، إذ لم يعد يفصلنا عنه سوى أقل من أربعة أشهر، في وقت تتزايد فيه كميات النفايات يوميًا، وتعيش المدينة ضغطًا سكانيًا غير مسبوق. وبين هذا كله، يبدو أن بلدية بيروت تقف أمام خيارات صعبة، إن لم نقل مصيرية.
المعضلة الأولى التي تواجه البلدية هي، هل تعيد التلزيم أم تبحث عن بديل؟ السؤال بحد ذاته ليس جديدًا، لكن ما يحيط به هو الجديد. فالتجارب السابقة مع المتعهدين لم تكن مشجعة، بل ارتبطت بكلفة مرتفعة ونتائج محدودة، فضلًا عن شبهات فساد لطالما رافقت هذا الملف. ومع وجود رئيس بلدية جديد يسعى للحصول على أفضل العروض، يبقى التحدي في كيفية تحقيق ذلك دون الوقوع في أخطاء الماضي.
أما المعضلة الثانية، وهي الأهم، فهي، ماذا سنفعل بالنفايات بعد جمعها؟ المطامر لم تعد حلًا. لقد استُنزفت بيئيًا وصحيًا، وأصبحت عبئًا إضافيًا على المدينة بدل أن تكون مخرجًا للأزمة. ومع ذلك، لا يزال الاعتماد عليها مستمرًا، وكأن لا بديل آخر متاح.
لكن الحقيقة أن البدائل موجودة، من الفرز إلى التدوير والمعالجة. المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب القرار.
يزيد من تعقيد المشهد عامل لا يمكن تجاهله: الارتفاع الكبير في عدد السكان نتيجة النزوح من مناطق مختلفة. هذا الواقع فرض ضغطًا إضافيًا على البنية التحتية، ورفع كميات النفايات بشكل ملحوظ، ما يعني كلفة أعلى وخيارات أكثر صعوبة.
وسط هذا كله، يبدو أن النقاش داخل المجلس البلدي لا يزال يدور في حلقة مفرغة: من يتولى الملف؟ كيف تُعالج الأزمة؟ وما الكلفة؟ لكن السؤال الذي يطرحه المواطن أبسط بكثير: لماذا لا يوجد حل حتى الآن، رغم أن مهلة العقد الحالي توشك على الانتهاء؟
المشكلة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة. ثقة بقدرة البلدية على إدارة الملف، وثقة بجدية أي خطة تُطرح، وثقة بأن ما سيأتي لن يكون تكرارًا لما سبق.
الخوف الحقيقي اليوم ليس من عودة النفايات إلى الشوارع، بل من استمرار نفس النهج، تأجيل، تسويات، وحلول مؤقتة. فإذا استمر هذا المسار، فإن ما ينتظر بيروت ليس حلًا، بل أزمة أكبر.
بيروت لا تحتاج إلى معجزة. تحتاج فقط إلى قرار واضح، إدارة شفافة، وخطة تُنفذ لا تُؤجل.
إلى ذلك الحين، سيبقى السؤال معلقًا: نفايات بيروت… إلى أين؟