تهجير وتشييع وتهديد
خاص بوابة بيروت

باحث وكاتب سياسي
جدّد العدو الاسرائيلي إعلان التّهجير لمنطقة جنوبي نهر الزّهراني فتقاطرات السيارات المدنيّة نحو مدينتي صيدا وبيروت ليلًا، مع رفض كلّي للقرى ذات الأكثريّات المسيحيّة والسنّيّة بالخروج من قراهم حيث استمرّت بلديّات هذه القرى وأهلها بتأمين الحراسة الليليّة منعًا لتسلّل أيّ من مقاتلي حزب الله إليها خشية أن يتمّ ضربها من قبل الاسرائيلي في حال استعمالها كمنصّات إطلاق للصواريخ.
القوّات اللبنانيّة تشييع حاشد لرئيس مركز يحشوش وزوجته
بعد سقوط بيار معوّض وزوجته فلافيا مراد ضحايا غارة إسرائيليّة على البناية التي يقطناتنها في منطقة تلال عين سعادة، تدعو القوات اللبنانيّة إلى مشاركة واسعة في وداعهما في بلدتهما يحشوش في تمام الساعة الرابعة من بعد الظهر في كنيسة مار سمعان العمودي.
ولقد عكست هذه الحادثة مدى غضب الشارع المسيحي من استعمال مساكنه الآمنة دروعًا بشريّة لقياديّين إيرانيين ولبنانيين ينتمون إلى “حزب الله”. ودعت الشخصيّات المتنيّة من رؤساء مراكز حزبيّة وبلديّات إلى مراقبة كلّ الشقق المستأجرَة، على أن يتمّ نقل كلّ نازح إلى مراكز الإيواء المعتمَدَة بشكل رسمي حفاظًا على سلامته وعلى سلامة الجوار الذي يختبئ فيه.
ولقد أثارت حادثة سقوط بيار وزوجته وضحيّة ثالثة في الغارة الاسرائيليّة عدّة مخاوف. ولعلّ أهمّها الوحدة المجتمعيّة اللبنانيّة التي باتت بخطر. وعلت أصوات مدنيّة وغير حزبيّة تدعو إلى التقسيم أو بأدنى حدّ إقفال المناطق كي لا تتكرّر حادثة سقوط بيار وزوجته. فأمام هذا التصدّع المجتمعي هل لا زال هنالك أي إمكانيّة لصمود سرديّات لبنان الكبير ولبنان الرّسالة ولبنان الـ10452 كم² ؟
خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودلالاته
بعضهم قرأ في خطاب الرئيس دونالد ترامب دعوة إلى التّفاوض تحت النّار. وهذا الاحتمال بنظر هؤلاء لا زال قائمًا، مع إبقاء خيار التصعيد العسكري مطروحًا في حال فشل التوصل إلى اتفاق. مؤكّدًا أنّ العمليّات مستمرّة وتسير وفقًا لكلّ الخطط المرسومة. ولعلّ أبرز هذه الخطط هو عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي مهما كانت الظّروف أو الشروط التي ستخضع لها.
بعضهم الآخر قرأ في خطاب ترامب تهديدًا علنيًّا ولا سيّما بأنّه أشار إلى أنّنا قد نستيقظ صباح الأربعاء ولا نجد إيران على الخريطة. فتوجيهه تحذيرًا شديد اللهجة بضرورة تغيير سلوكها، ملوّحًا بضرب بنى تحتية استراتيجية إذا استمر التصعيد بهدف وحيد وهو إنهاء التهديد الإيراني. وكرّر ترامب دعوته إلى الشعب الإيراني إلى التحرّك ضدّ حكومته في حال لم يتمّ التوصّل إلى وقف إطلاق نار.
وفي هذه المواقف نقرأ دلالتين:
- لقد حسم الرئيس الأميركي قراره بشأن تغيير النّظام ولكن لن يكون هذا التغيير إلّا بأيادي الشعب الإيرانيّ نفسه.
- الضربة آتية لا محالة وانعكاساتها لن تكون فقط على الدّاخل الإيراني بل سيكون لها تداعيات في كلّ المحيط الحيوي الإيراني، أي دول الخليج العربي، وصولًا إلى الساحة اللبنانيّة التي لا زالت حتّى الساعة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما قد يحدث في إيران.
لعلّ هذه النشوة الانتصاريّة أتت نتيجة نجاح القوّات الخاصّة الأميركيّة بإنقاذ الطيّار الأميركي الذي وقع خلف خطوط العدوّ. فعمليّة السحق العسكري قد تمّت، وما تبقى في إيران هو تلك الصواريخ التي ترمى بشكل عشوائي على الدّول العربيّة أكثر ممّا ترمى على إسرائيل بحدّ ذاتها.
وما إعلان ترامب رفض إيران الخيار الديبلوماسي سوى إعلان واضح وصريح عن الضربة الحتميّة. معتبرًا أنّ البرنامج النووي في صلب المواجهة، إضافة إلى البنى التحتيّة. قائلاً إن طهران “لم تكن لديها أي نية للتخلي عن طموحاتها النووية”، بل كانت تخطط لتطوير صواريخ تصل إلى أمريكا وأوروبا.
رسائل إلى الشرق الأوسط، لا حماية مجانية
في تحول لافت، أعلن ترامب أن بلاده “ليست مستعدة للدفاع عن الشرق الأوسط”، داعيًا الدول إلى تحمل مسؤولية حماية إمدادات النفط، خاصة في مضيق هرمز. فهو أعلن عدم حاجته كولايات متّحدة أنّ النفط الخارج عبر هرمز لا يعنيه ولا يحتاج فمَن يعتبر بأنّ هذا النفط حاجة ماسة له فليتفضّل إلى المعركة.
ولعلّ هذا الموقف ما يعتبر دعوة صريحة للدول الأوروبيّة إلى الدّخول في صلب معركة المضائق والطاقة والممرات. لأنّ الإنتاج الأمريكي بات يعادل إنتاج السعودية وروسيا. وحمّل ترامب النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، بسبب “هجماته الجنونية على ناقلات النفط”، معتبرًا أن هذه التحركات أربكت الأسواق العالمية.
خلاصة المشهد
الخطاب يعكس انتقالًا من مرحلة العمليات العسكرية المكثفة إلى مرحلة فرض الشروط السياسية بالقوة، مع أرجحيّة لسقوط المسار التفاوضي والانعكاسات السلبيّة في أسواق الطاقة العالميّة. وتبقى الساحة اللبنانيّة الأكثر اشتعالًا ميدانيًّا، فالاسرائيلي يوسّع ضرباته، ورقعة تواجده تتّسع يومًا بعد يوم حتّى بتنا نتحدّث عن فتح ممرّ البقاع الغربي إلى الجنوب، وإقفال الحدود اللبنانيّة السورية الذي تمّ تأجيله بطلب أميركيّ.
ذلك كلّه وسط دعوات تتوافد من الخارج إلى إعلان مناطق جبل لبنان مناطق منزوعة السلاح تلافيًا لتكرار أيّ مأساة. فهل تلقى هذه المناشدات الدّوليّة أيّ استجابات محلّيّة؟ أم سنبقى ننتظر القطار في محطّة رحبانيّة في سهل مزروع بالبطاطا تآكله العمران والنّزوح والآن التهجير على أمل أن يأتي يومًا، ولن يأتي لأنّنا في مسرحيّة أمميّة لا رحبانيّة؟